رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١١٩
فما أحرى في اليوم الذي استقل [١] به ذلك المولى الكريم أن لا يكون سوق عكاظ [٢] تحضره خنساء [٣] الرثاء، ومهلهلُ البكاء، بل يكون ندوة هناء [٤]وافتخار، تتنادم ندماؤها بذكر مناقبه الزاهرة، ومآثره العاطرة، وتطفح به وجوه الموالين له زهواً وبشراً ومسرّة وحبوراً [٥]، وتفيض أسلات [٦] ألسنتهم عليه إطراء وثناءً، جرياً على العادة المستمرّة بين عموم الناس، غربيها وشرقيها، فهم يجعلون لكلّ نابغة نبغ منهم في خلّة [٧] حميدة ومأثرة كريمة يوم تذكار تهييجاً للنفوس، واستمالة للعزائم والهمم نحو اكتساب الخلال الفاضلة والمبادئ السامية.
أقول: «جاءوا بمذق هل رأيتَ الذئبَ قط» [٨] عملوا عملاً صالحاً وآخر
[١] استقلّ الطائر: ارتفع من الأرض. كتاب العين ٥: ٢٦، «قل».
[٢] عكاظ: اسم سوق كان العرب يجتمعون فيها كلّ سنة شهراً ويتناشدون ويتفاخرون ثمّ يفترقون، فهدمه الإسلام، وكانت فيها وقائع. كتاب العين ١: ١٩٥، «عكظ».
[٣] خنساء بنت عمرو، أخت صخر، شاعرة وهي بنت عمرو بن الشريد..، ولها مراث وأشعار في أخيها صخر مشهورة، وأجمعوا على أنّه لم تكن امرأة أشعر منها. تاج العروس ٨: ٢٦٩، «خنس».
[٤] التهنئة: خلاف التعزية. الصحاح ١: ٨٤، «هنأ».
[٥] الحبر والسبر: الجمال والبهاء. كتاب العين ٣: ٢١٨، «حبر».
[٦] أسلة اللسان: طرف شباته إلى مستدقه..، وفي كلام علي: لم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، هي جمع أسلة وهي طرف اللسان. لسان العرب ١١: ١٥، «أسل».
[٧] الخلّة: الخصلة، والجميع: الخلال والخلات. كتاب العين ٤: ١٤١، «خل».
[٨] المذيق: اللبن الممزوج بالماء..، المذق: المزج والخلط. لسان العرب ١٠: ٣٣٩، «مذق». والمراد أنّهم خلطوا في كلامهم بين السليم والسقيم، فليس كلّه سقيماً باطلاً، فهو مزيج من الأمرين كلون الذئب لا هو أبيض فقط ولا هو أسود.
وهذا عجز بيت، وشطره «حتّى إذا جنّ الظلام واختلط».
والبيت لراجز لم يعيّنه أحد من الرواة، ومعناه: أنّ الراجز يصف قوماً بالشُح والبخل نزل بهم ضيفاً، فانتظروا عليه طويلاً حتّى أقبل الليل بظلامه، ثمّ جاؤوه بلبن مخلوط بالماء يشبه الذئب في لونه ; لكدرته وغبرته، يريد أنّ الماء الذي خلطوه به كثير.
انظر شرح ابن عقيل ٢: ١٩٩، «الهامش».