رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥٠٤
على أنّ الرجل الصالح ربما يترك الطاعات المسنونة عجزاً عن القيام بها وضعفاً عن إتيانها، بل لو جرح العالم المقتدى بالسيف رأسه على النهج المعلوم، لخيف على الناس الهلاك من الضرب.
وشاهد ذلك إنّا نشاهد في يوم عاشوراء إذ أدّى الحزن والجزع بذلك العالم المقتدى إلى أن يلقي عمامته ويضرب بكّفيه هامته، يضجّ الناس في البكاء، حتّى يؤدّي الحال ببعضهم إلى الإغماء، وترى الأيدي تتهاوى على الوجوه والرؤوس والصدور ضرباً مؤذياً، فإذاً كيف تراهم إذا شاهدوه والسيف بيده يعلو به ناصيته؟
على أن أهل العلم إذا عرفوا انحصار الأمر بهم قاموا بتلك السنّة ونهضوا بهاتيك الطاعة، وهذه سامراء حيث إنّ أكثر شيعتها من أهل العلم، فهم القائمون فيها بموكب العزاء، وهم المتقدّمون في لدم الصدور منذ زمن حجّة الإسلام الشيرازي وإلى اليوم.
بل ليلة الحادية والعشرين من رمضان، ليلة وفاة أمير المؤمنين(عليه السلام)، خرج في النجف الأشرف جمّ غفير من أهل العلم يناهز الأربعمائة، وأمامهم ثلّة من العلماء والمجتهدين، على هيئة مشجية وحالة مبكية، يقدمون موكباً عزائياً ينسب لمحلّة «البراق» من محالّ النجف، وفي ذلك الموكب «الطوس» أي الصنج و«الدمام» أي الطبل، وبعد أن وردوا الصحن الشريف دخلوا الحرم المطهّر وأحاطوا بالقبر إحاطة السوار بالمعصم، وندبوا بأشجى ندبة ولدموا الصدور بألم لدم.
وأحسب أنّ ذلك ملأ البلاد الشيعيّة صداه، وطبق الخافقين رجعه، ولابدّ أنّ تلك الندبة الشجية وذلك اللدم المؤذي قد عمّ خبرها جبال عامل وربوع سورية.
وممّا سطرناه تعرف الجواب عمّا ذكره ص٢٢ من الأهاويل والأراجيف