رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٩٥
وقال ص(٢٠): «وأمّا بكاء علي بن الحسين عليهما السلام على أبيه المؤدّي إلى الإغماء، وامتناعه عن الطعام والشراب، فلو صحّ فهو أجنبيّ عن المقام، فإنّ هذه الأمور قهريّة لا يتعلّق بها التكليف، وما كان منها اختيارياً فحاله حال ما مرّ» [١].
[١] رسالة التنزيه لأعمال الشبيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٢: ٢٢٧.
وبكاء الإمام السجاد(عليه السلام) على أبيه الإمام الحسين(عليه السلام) من الأمور المعروفة والمشهورة عند الجميع، ولا يخلو كتاب أو رسالة تعرّضت لواقعة الطفّ أو لترجمة حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلاّ ذكرت ذلك بشكل مفصّل، بل إنّ بعض الكتب أفردت له باباً خاصاً، حتّى إنّه عدّ من البكّائين الخمسة.
فقد روى الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ) في «الخصال»: ٢٧٢ - ٢٧٣ في باب «البكاؤون خمسة» بسنده عن محمّد بن سهل البحراني، يرفعه إلى الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّد، وعلي بن الحسين».
فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّه أمثال الأودية.
وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره، وحتّى قيل له: (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتّى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين).
وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا له: إمّا أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإمّا أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما.
وأمّا فاطمة فبكت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك. فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر قريش - فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف.
وأمّا علي بن الحسين فبكى على الحسين(عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتّى قال له مولى له: جعلتُ فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، إنّي ما أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك عبرة».
وروى فيه أيضاً: ٥١٨ - ٥١٩ في باب «ذكر ثلاث وعشرين خصلة من الخصال المحمودة التي وصف بها علي بن الحسين(عليهما السلام)» عن حمران بن أعين عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «كان علي بن الحسين عليهما السلام... وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتّى قال له مولى له: يابن رسول الله أما آن لحزنك أن ينقضي؟!
فقال له: ويحك إنّ يعقوب النبيّ(عليه السلام) كان له اثنا عشر ابناً، فغيّب الله عنه واحداً منهم فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغمّ، وكان ابنه حيّاً في الدنيا. وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني».
وفي «المناقب» لابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ) ٣: ٣٠٢: «كان(عليه السلام) إذا أخذ إناء يشرب ماء بكى حتّى يملأها دمعاً، فقيل له في ذلك فقال: وكيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحش».
وذكر أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ) في «حلية الأولياء» ٣: ١٥٧ - ١٧٠ كلّ الكلام الذي حكيناه عن الشيخ الصدوق وابن شهر آشوب.