رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٨٦
برفع التكليف من دون إثبات للحرمة، وبالوجوب دون الاستحباب، فمن أين إذاً نعرف أنّ فعل الضارّ حرام؟ وليس الأصل - على هذا البيان - الإباحة إلاّ ما ورد النّص على حرمته، كما في الصوم وجملة من الأمور.
فمن هذا يتضح لك الحال في ما أجاب به عن تورّم قدمي النبيّ صلّى الله عليه وآله، ووضع حجر المجاعة على بطنه، وحجّ الأئمّة مشاة، وبكاء زين العابدين على أبيه عليهما السلام، ونفض العبّاس(عليه السلام) الماء من يده وتقريح عيني الرضا(عليه السلام).
هذا ما نجيب به عن الجميع على سبيل الإجمال، ولكلّ من هاتيك جواب أو أجوبة نقدّمها لك عقيب كلّ واحدة من تلك الغرائب المدهشة التي التزم بها إتماماً لحجّته وإن خالفت مقام النبوّة، وتصحيحاً لمدعاه وإن أخلّت بمنصب الإمامة، وهاك ما قاله ونقول:
قال ص(٢٠): «وأمّا استشهاده بقيام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للصلاة حتّى تورّمت قدماه، فإنّ صحّ فلابدّ أن يكون من باب الاتفاق، أيّ ترتّب الورم على القيام اتفاقاً، ولم يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلم بترتبه» [١] إلى آخره.
[١] رسالة التنزيه لأعمال الشبيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة): ٢٠.
وهذا الأمر رواه الثقات من أصحابنا، وذكره الكثير من فقهائنا في موسوعاتهم الفقهيّة:
فقد رواه المحدّث علي بن إبراهيم القمّي (من أعلام القرنين الثالث والرابع) في «تفسيره» ٢: ٥٧ - ٥٨. عن أبي بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال:
«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلى قام على أصابع رجليه حتّى تورّمت، فأنزل الله تبارك وتعالى: (طه) بلغة طيّ يا محمّد (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى)».
ورواه أيضاً أمين الإسلام الشيخ أحمد بن علي الطبرسي (ت القرن السادس) في كتابه «الاحتجاج» ١: ٣٢٦. بسنده عن الإمام الكاظم(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) عن الإمام علي(عليه السلام) في احتجاجه على أحبار اليهود حيث قال:
«قال اليهودي: فإنّ هذا داود(عليه السلام) بكى على خطيئته حتّى سارت الجبال معه لخوفه».
فقال له علي(عليه السلام): «لقد كان كذلك، ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) اعطي ما هو أفضل من هذا، إنّه كان إذا قام إلى الصلاة يسمع لصدره وجوفه أزير كأزير المرجل على الأثافي من شدّة البكاء. وقد آمنه الله عزّ وجلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه ويكون إماماً لمن اقتدى به.
ولقد قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه واصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع، حتّى عوتب في ذلك فقال الله عزّ وجلّ: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى) بل لتسعد به.
ولقد كان يبكي حتّى يغشى عليه. فقيل له: يا رسول الله أليس الله عزّ وجلّ قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟
فقال: «بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً».
وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ الشيخ قطب الدين الراوندي (ت٥٧٣هـ) في «الخرائج والجرائح» ٢: ٩١٦ - ٩١٧.
وروى السيّد الجليل علي بن موسى بن طاووس (ت٦٦٤هـ) في «فتح الأبواب»: ١٧٠ - ١٧١ بسنده عن الزهري عن الإمام السجاد(عليه السلام) حيث قال:
«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقف في الصلاة حتّى يرم قدماه، ويظماً في الصيام حتّى يعصب فوه، فقيل له: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ألم يغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟
فيقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «أفلا أكون عبداً شكوراً».
وقال المحدّث البحراني (ت١١٨٦هـ) في تفسيره ٦: ٣٨٢ - ٣٨٣ «إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم في الصلاة على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه ; إجهاداً لنفسه في العبادة، حتّى عاتبه الله تعالى على ذلك رأفةً فقال: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى).
والأعجب من ذلك أنّ السيّد الأمين(رحمه الله) لم يكتف بتشكيكه بتورّم قدمي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من قيامه للصلاة، بل يدّعي اتفاقيّة ترتّب الورم على قيامه، أي أنّه لم يكن يقصد إيذاء نفسه في سبيل الله تعالى وتحمّل هذا القيام الشاقّ في الصلاة، ولم يكن يعلم بما سيؤول إليه الاستمرار في القيام بهذا الشكل.
وهذا غير صحيح قطعاً، فإنّ هناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعمّد فعل ذلك، بل ويداوم عليه، ويختار أشقّ أفراد العبادة، فالروايات السابقة التي ذكرناها دالّة على ذلك بوضوح.
وروى ثقة الإسلام الشيخ الكليني (٣٢٨هـ) في الكافي ٢: ٩٥ حديث٦ باب الشكر بسنده عن أبي بصير عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)».
وقال الشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ) في «التبيان» ٧: ١٥٨: «قال مجاهد: إنّها - آية (طه) - نزلت بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر في قيام الليل».
وقال أمين الإسلام الطبرسي (ت القرن السادس) في «مجمع البيان» ٧: ٦: «وقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع رجله في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى)».
وحكى عن قتادة أنّه قال: «وكان يصلّي الليل ويعلّق صدره بحبل حتّى لا يغلبه النوم، فأمره الله سبحانه بأن يخفّف عن نفسه، وذكر أنّه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كلّ هذا التعب».
وذكر ابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ) في ا لمناقب ٣: ٢٨٩ - ٢٩٠ جواب الإمام السجاد(عليه السلام)لجابر بن عبد الله الأنصاري، حيث أنكر عليه ما يفعله بنفسه من كثرة العبادة إذ قال(عليه السلام): «يا صاحب رسول الله(عليه السلام) أما علمت أنّ جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدع الاجتهاد وتعبّد - هو بأبي وأمّي - حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكورا».
وتعرّض كثير من فقهائنا لهذا الأمر في كتبهم الفقهيّة: كالمحدّث الشيخ يوسف البحراني (ت ١١٨٦هـ) في «الحدائق الناضرة» ٦: ٢٨ في باب أعداد الصلاة اليوميّة ونوافلها، والشيخ محمّد حسن النجفي (ت١٢٦٦هـ) في «جواهر الكلام» ٩: ٢٥٢ في بحث القيام للصلاة حيث قال: «إنّه لم يكن يرى وجوبه بل كان يختاره من بين الأفراد لأنّه أحمز وأشقّ».
وإذا خفيت عبادة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتورّم قدميه من القيام للصلاة وإيذاء نفسه وتحميلها العبادة الشاقّة في سبيل الله، فلا تخفى على أحد طالع كتب التأريخ والسير عبادة الإمام علي(عليه السلام)والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليهما السلام) والأئمّة من ولدها(عليهم السلام)، خصوصاً الإمام السجاد(عليه السلام) حيث مُلئت كتب المناقب والسير بذلك.
فقد ذكر الشيخ المفيد (ت٤١٣هـ) في الإرشاد ٢: ١٤٢ دخول الإمام الباقر(عليه السلام) على أبيه السجاد(عليه السلام) ووصف حاله في العبادة حيث قال: «فإذا به قد بلغ من العبادة مالم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السّهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة.
فقال أبو جعفر(عليه السلام): فلم أتمالك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمةً له، وإذا هو يفكّر، فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بنيّ أعطني من بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فأعطيته، فقرأ فيها شيئاً ثمّ تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة علي(عليه السلام)؟!».
ورواه أيضاً الفضل بن الحسن الطبرسي (ت٥٤٨هـ) في «إعلام الورى» ١: ٤٨٧ ومحمّد بن علي بن شهر آشوب المازندراني (ت٥٨٨هـ) في «مناقب آل أبي طالب» ٣: ٢٩٠.
وحكى ابن شهر آشوب أيضاً في المناقب ٣: ١١٩ - ١٢٠ عن الحسن البصري أنّه قال: «ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة(عليها السلام)، كانت تقوم الليل حتّى تورّم قدماها».
وحكى أيضاً عن عدّة مصادر من العامّة قولهم: «لقد طحنت فاطمة بنت رسول الله حتّى مجلت يداها».
وحكى عن «تفسير الثعلبي» عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، وعن «تفسير القشيري» عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه رأى فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيدها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة».
وروى الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني (ت٣٢٨هـ) في «الكافي» ٢: ٤٢٢ حديث١ بسنده عن محمّد بن أبي حمزة عن أبيه قال: «رأيت علي بن الحسين(عليه السلام) في فناء الكعبة في الليل وهو يصلّي، فأطال القيام حتّى جعل يتوكأ مرّة على رجله اليمنى، ومرة على رجله اليسرى».
وقال الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت٣٨١هـ) في «الخصال»: ٥١٧ - ٥١٨ في باب «ذكر ثلاث وعشرين خصلة من الخصال المحمودة التي وصف بها علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام)»: «كان علي بن الحسين(عليه السلام) يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، كما كان يفعل أمير المؤمنين(عليه السلام)، كانت له خمسمائة نخلة فكان يصلّي عند كلّ نخلة ركعتين - إلى أن قال - ولمّا وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين - إلى أن قال - ولقد كان يسقط منه كلّ سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده ; لكثرة صلاته، وكان يجمعها فلمّا مات دفنت معه».
وروى الشيخ الطوسي في «أماليه»: ٦٣٦ - ٦٣٧ بسنده عن عمرو بن عبد الله الجملي عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «إنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب(عليه السلام) لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة، أتت جابر بن عبد الله الأنصاري فقالت له: يا صاحب رسول الله، إنّ لنا عليكم حقوقاً، ومن حقّنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكّروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه،
وهذا علي بن الحسين بقيّة أبيه الحسين قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه ; دأباً منه لنفسه في العبادة».
ثمّ ذكر كيفيّة دخول جابر بن عبد الله الأنصاري على الإمام السجاد(عليه السلام) وقوله له: يابن رسول الله، أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟
قال له علي بن الحسين(عليهما السلام): يا صاحب رسول الله، أمّا علمت أنّ جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد - بأبي هو واُمّي - حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكورا».
وفي «القاموس المحيط» ٤: ٢٠٧ «ثفن» «وذو الثفنات: علي بن الحسين بن علي(عليهما السلام)».