رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٤
أقوى المسلمين نهضة بأعباء الطاعة، وأثقال خالص العبادة، ونصرة الحقّ، وخذلان الباطل، يقول فصلاً، ويحكم قسطاً، ويقسم عدلاً، لم يسدُل بينه وبين الأُمّة حجاباً، ولم يُقم على أبوابه حُجّاباً، مواسياً أضعف المسلمين في خشونة الملبس وجشوبة المطعم، قد ثقّفته الحكمة الإلهية، وهذّبته السنّة النبوية، فلا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تقعده عن قول الحقّ عذلة عاذل [١] ، كأبي السبطين، لا كيزيد الشهير بالفسق والفجور واللهو وشرب الخمور.
لهذا شقّ الحسين عصا طاعته، وأنكر كلّ الإنكار عقد بيعته، وثار عليه نصرة للدين، وغيرة على المسلمين، لا يستمال لمسالمته بقليل ولا كثير، لشدّ ما منّاه السلامة، وأغراه بالمشاركة معه بالرياسة حالاً، وبالإدلاء بها إليه مستقبلاً، وبإعطائه من فوق الرضا سلفاً، فلم يجد عنده في الدين من هوادة [٢] أو لين عارضة [٣] ، أو خفض جناح أو نعومة ملمس.
كلاّ، بل وجده خشناً في ذات الله، مرّ [٤] الحفاظ على الإسلام، صعب المراس[٥] ، قادماً على الموت، يائساً من الحياة، باذلاً نفسه الزكية، مضحّياً بها اتّجاه سلامة دين جدّه، معزّاً، عالماً بأنّه مقتول لا محالة ; ليستلفت بقتله أنظار المسلمين بعده، فتحبّذ عمله، وتأخذ بثأره، وتناوي يزيد وكلّ من هو على مبدئه ممّن يطلب الخلافة وليس من أهلها، ويستبين لهم أنّ قاتليه أئمّة كفر لا إيمان لهم،
[١] العذل: الملامة. الصحاح ٥: ١٧٦٢، «عذل».
[٢] الهوادة: السكون والرخصة والمحاباة. لسان العرب ٣: ٤٤٠، «هود».
[٣] العارضة: قوّة الكلام. لسان العرب ٧: ١٨١، «عرض».
[٤] المرّة: القوّة والشدّة. لسان العرب ٥: ١٦٨، «مرر».
[٥] رجل مرس: شديد الممارسة ذو جلد وقوّة. كتاب العين ٧: ٢٥٣، «مرس».