رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣٠
ومفقوداً، لا يعدّ فقده خسراناً ولا موته باعثاً للحزن والكآبة، إنّما موته راحة له واستراحة منه.
أمّا ذو الفائدة ولو كانت مرجوّة كالطفل الرضيع يعدّ فقده خسراناً موجباً للحزن، بيد أنّه طفيف ; لأنّ المصيبة من اللمم [١] ، ولهذا يقال: «إنّ صغار المصائب مصائب الصغار».
وما ذاك إلاّ لعدم الجدوى الفعليّة منهم، فمصابهم أسرع زوالاً وأعجل اضمحلالاً، وليس الذكر منهم كالأنثى، هو أعظم منها مصيبة وأشدّ حزناً ; لقوّة فوائد نوعه على فوائد نوعها، والصبيّ - اليافع النافع أهله فعلاً - موته أشدّ وطأة، وحزنه أفسح وقتاً وأبطأ تلاشياً من موت ذلك الرضيع، وما هذا إلاّ لكونه أذاق أهله حلاوة نفعه ففقدوها بفقده.
وفوق موت هذا الصبيّ مصيبة وكآبة موت البالغ الحلم، النافع لأهله وعشيرته جدّاً، البار بوالديه، والواصل رحمهُ، والحامي عن قومه، والذائد كلّ عادية عن حومة [٢] عزّهم، وحوض شرفهم، فهم كلّما عن [٣] لهم ذكره وفوات فوائده وسلب منافعه حنّواً له حنين الفصال [٤] ، وناحوا نوح الحمام، وتهاطلت دموعهم عليه كصوب الغمام، وربّما استغرق حزنهم مدّة عمرهم كالخنساء [٥] على
[١] اللمم: صغار الذنوب. النهاية في غريب الحديث ٤: ٢٧٢، «لمم». والمراد هنا المصيبة الصغيرة.
[٢] حومة كلّ شيء: معظمه. لسان العرب ١٢: ١٦٢، «حوم».
[٣] وعنّ لنا كذا يعنّ عنناً وعنوناً، أي: ظهر أمامنا. كتاب العين ١: ٩٠، «عن».
[٤] الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أُمّه، والجمع فصلان وفصال. لسان العرب ١١: ٥٢٢، «فصل».
[٥] هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، أشهر شواعر العرب، من أهل نجد، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام فأسلمت، أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها صخر ومعاوية، وكانا قد قتلا في الجاهليّة، توفّيت سنة ٢٤هـ .
الأعلام للزركلي ٢: ٨٦ .