رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٩٤
أبوه، فمات، ولحبّه بكى قهراً جرياً على ما هو ا لمتعارف من سيرة الأبناء إذا فقدوا آباءهم، ولم يكن لبكائه أمر وراء ذلك، ولم يكن الإغماء الذي كان يعتريه في شيء وراء الأبوة، فهو كسائر الأبناء الذين يبرّون آبائهم بدمعة تسح [١] من آماقهم [٢] من دون اختيار.
أنصفني أيّها القارئ الكريم، أليس هذا ما يقوله الأُستاذ، أليس هذا ما تعطيه عبارته؟
إيه إيه، ما هكذا تورد يا سعد الإبل [٣]، لقد نسبت لإمامك مالا ترضاه لنفسك، بل لا ترضاه لولد عاقّ، فإنّا نرى الأُستاذ يبكي إذا تليت عليه مصيبة سيّد الشهداء(عليه السلام) بإرادته واختياره، وزين العابدين يبكي لا عن اختيار! كأنّ الأستاذ عرف معنى الحسين(عليه السلام) فعزّت عليه مصيبته، ولم يعرفه علي بن الحسين(عليه السلام)، إنّ هذا شيء عجاب.
أجل إنّ علي بن الحسين(عليه السلام) لم يبك الحسين لأنّه أبوه، بل لأنّه عرف معناه، بكاه لعظيم مصيبته وجليل رزيّته، بكاه لأنّه إمامه وحجّة الله عليه، بكاه للأمر الذي بكته لأجله السماء بحمرتها [٤]، والجنّ في طبقاتها، والطير في وكناتها، والوحش
[١] سحّ المطر والدمع يسحّ سحّاً: وهو شدّة انصبابه. العين ٣: ١٦ «سح».
[٢] مؤق العين: طرفها ممّا يلي الأنف، والجمع آماق. الصحاح ٤: ١٥٥٣ «مأق».
[٣] هو سعد بن زيد مَنَاة، أخو مالك بن زيد مَنَاة الذي يقال له: آبل من مالك،
ومالك هذا هو سبط تميم بن مرّة وكان يُحمق، إلاّ أنّه كان آبل زمانه ثمّ إنّه تزوّج وبَنَى بامرأته، فأورد الإبل أخوه سعد، ولم يُحسن القيام عليها والرفق بها فقال مالك:
| أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل | ما هكذا يا سعد تورد الإبل |