رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٩
الأمم حذت حذو الشيعة ونسجت على منوالها، فاتّخذت البكاء لأعظم عظيم من زعمائها وكبرائها وساداتها وأمرائها وصلحائها وعلمائها سنّة قائمة، وسمة لازمة، ومحجّة لا تبغي عنها حولاً على كرّ الليالي والأيام.
هذه الأُمّة المسيحيّة على كثرتها وانتشارها في الكرة الأرضية وتعدّد أجيالها، لم يُنقل عن فرقة من فرقها أنّها تنصب العزاء وتعقد جلسات للبكاء على روح الله وكلمته، نور العالم المسيح بن مريم، كما تصنعه الشيعة على إمامها الحسين بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله، مع أنّ اعتقاد النصارى بالمسيح فوق اعتقاد الشيعة بالسبط ريحانة رسول الله، تلك تعتقده ربّاً معبوداً وهذه تعتقده عبداً صالحاً، ومع اعتقادها بربوبيّته الناسوتية [١] تعتقد أنّ اليهود صلبوه ومثّلوا به كلّ مثلة سيّئة منكرة، وأنّه رضي بهذه التهلكة تخليصاً لشعبه من شرّ الآخرة، فما الصادّ لها من البكاء عليه إلاّ طول الأمد وبعد العهد.
أقول: إنّ هذه الحياة الدنيا لأبنائها سوق إفادة واستفادة ينتفع بعضهم من بعض، وهم فيها بين من ربحت تجارته ومن خسرت صفقته، وبالجبلة والطبيعة الرابح يفرح والخاسر يحزن، وبقدر الأرباح تكون الأفراح، كما أنّه بزنة الخسران تكون الأحزان، فبطء الحزن وسرعة زواله محدقان بالخسارة خطراً وحقارة، وهي عندهم المصيبة بقدر المصاب عظمة وهواناً، والمصاب بقدر فوائده غلاءًورخصاً، إذ قيمة كلّ امرئ ما يحسنه.
والفوائد ضروب شتّى: منها خطيرة منها حقيرة، ومنها عامّة ومنها خاصّة، منها كثيرة ومنها قليلة، منها حاصلة ومنها مرجوّة، وعلى محور الجميع تدور رحى المصائب خفّةً وثقلاً، وسعةً وضيقاً، فكلّ من لا فائدة به قطّ فأهون به عندهم هالكاً
[١] الناسوت: الطبيعة الإنسانية وهو الناس.