رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٥٣
الأشلاء، يعالج بنفسه العزيزة، ويجود بروحه الطاهرة، والمنيّة تعتلج بين جناجن [١] صدره، ولا يقوى على ردّ عادية الأعداء التي أحاطت بجسمه الشريف ; كأنّه قطب رحاها أو نقطتها الموهومة.
وهكذا أصبح رجاله واقفين عن كثب ينظرون إليه نظر المتفرّج، وقد علا الضجيج، وارتفعت الأصوات، وتوالت الزعقات، وعظم الخطب، وأدلهمّ الأمر، وتبدّلت الأرض فكانت غير الأرض والسماء غير السماء، والدّين يستنجد الماء والهواء والأرض والسّماء، ورجاله واجمون عن نصرته، متحاشون عن الذبّ عنه، كأنّما على رؤوسهم الطير.
فلا يضربون بين يديه بسيف، ولا يشرعون دونه رمحاً، وبمرئ منهم ومسمع ما نزل بساحته، وحلّ بفنائه، وبمنظر منهم ومخبر ما حلّ بجسمه الطاهر من تخريق وتمزيق، وتقطيع أوصال، وتبديد أشلاء، وتضريج بالدماء، وتمزيق إهاب [٢] وإزهاق روح.
مهما أردنا بيان الحالة الحرجة التي انتهى إليها الدين الكريم، نرى أنفسنا عاجزين عن الإلمام بأقلّ قليل منها، لا بل لا يستطيع أيّ كاتب مهما فرضناه ذا براعة سيّالة ولسان ذلق [٣]، وفكر يقدّ الصخر بعزيمة أمضى من السيف، أن يترجم لنا عن المصائب التي اكتنفت شخصه الكريم ; لأنّها فوق الحدّ وغير قابلة للعدّ.
على حين أنّ الدين لا يزال من آن إلى آخر، يرسل إلى أبنائه نظرات تتفجّر منها ينابيع الذكرى لهم بتلك الأعمال الخالدة التي قام بها آباؤهم، والمفادات في
[١] الجناجن: عظام الصدر، الواحد جنجن. الصحاح ٥: ٢٠٩٥، «جنن».
[٢] الإهاب: الجلد، وجمعه: أهُب. العين ٤: ٩٩، «أهب».
[٣] لسانٌ ذَلْقٌ: حديد بليغ. المعجم الوسيط: ٣١٤، «ذلق».