رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١٢٩
ومنهم من يعمّر بيوتاً ضخمة عالية رحبة لإقامة المأتم الحسيني بها، ومعظمهم إذا خاض القوم بتيار العزاء، وبلغ سيلهم فيه الزباء [١]، ووقفت سفينة طوفان نوحهم وبكائهم على جوادي [٢] الانتهاء، يفزع لتنظيم أواني الموائد وصفّ صفاف المآدب المشتملة على الحار والبارد، والحلو والحامض، واليابس والمائع، والرطب والجامد، فيدعو الناس للاستطعام من طعامه، وجلّهم بل كلّهم أغنياء، لا حظّ للفقراء من طعامه إلاّ بقية الأسئار [٣]، فلم يصادف برّهم موضعه، ولا خيرهم موقعه، في جميع تلك النفقات، فهل ذلك منهم إلاّ تبذير، والمبذّرون إخوان الشياطين بنصّ القرآن العزيز [٤].
فهلاّ أنفقوا ما أنفقوه في سبيل تعمير مدارسهم الطامسة، وتعليم ناشئتهم الجاهلة، وتلقينهم فنون العلوم العصرية، والمعارف الزمنية، لينشلوا خضراء أمّتهم الأميّة وطائفتهم الهمجية من حضيض السفالة ومستنقع الجهالة - أسوة بسواهم من الأمم الراقية بمعارفها - إلى أوج العزّ والسعادة، وذروة الغنى والثروة، والجاه الضافي [٥] الوسيع، والعيش الصافي النمير [٦]؟!
أقول:
[١] الزبى، جمع زبية: وهي الرابية لا يعلوها الماء..، وقيل: إنّما أراد الحفرة التي تحفر للأسد ولا تحفر إلاّ في مكان عال من الأرض لئلا يبلغها السيل فتنطم. لسان العرب ١٤: ٣٥٣، «ربي».
[٢] الجودي: موضع. لسان العرب ٣: ١٣٨، «جود».
[٣] السؤر: بقية الشيء، وجمعه أسئار. لسان العرب ٤: ٣٣٩، «سأر».
[٤] قوله تعالى في سورة الإسراء (١٧): ٢٧: (إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين).
[٥] الضفو: السعة والخير. لسان العرب ١٤: ٣٨٥، «ضفا».
[٦] النمير من الماء: العذب الهنىء المرىء. كتاب العين ٨: ٢٧١، «نمر».