معارف الصحيفة السجادية - الحسّون، علاء - الصفحة ١٥٢
خلقة الإنسان
خلقنا الله من ماء مهين بعد أن أخرج هذا الماء من صلب متراص العظام، ضيق المنافذ إلى رحم مستور بالحجب، وبدّل أحوالنا في صور مختلفة حتّى انتهى بنا إلى تمام الصورة، وأثبت فينا الجوارح، وأشار الباري تعالى إلى هذه المراحل في قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا}[١]، ثُمّ انشأنا الله خلقاً آخر كما شاء.
وعندما احتجنا - ونحن في الرحم - إلى رزقه تعالى، جعل لنا قوتاً من فضل طعام وشراب أجراه لأمّنا التي أسكننا جوفها وأودعنا قرار رحمها.
ولو تركنا الله في تلك الحالات إلى وسعنا ودقرتنا لم يسعنا فعل شيء، بل لم تكن لنا قوّة، ولم يكن لنا حول في ذلك الوقت، ولكن شملتنا الرعاية الإلهية بفضله تعالى وغذّانا الله عذاء البر اللطيف ولم يمنع عنّا خيره وإحسانه، بل لم يبطئ عنا حسن صنيعه.
ومع هذا الفضل والعطاء والكرم الإلهي كلّه فإنّنا نعيش الغفلة، ولا نتوجّه إلى الله، ولا نؤدّي عبادته وطاعته بالنحو المطلوب[٢].
[١] المؤمنون: ١٤. [٢] <اللّهم وأنت حذرتني [أي: أسرعت انزالي] ماءً مهيناً [أي: حقيراً] من صلب متضائق العظام حرج المسالك إلى رحم ضيقة سترتها بالحجب، تصرفني حالاً عن حال حتّى انتهيت بي إلى تمام الصورة، واثبت فيّ الجوارح كما نعتّ في كتابك نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظماً ثمّ كسوت العظام لحماً، ثُمّ انشأنني خلقاً آخر كما شئت، حتّى إذا احتجت إلى رزقك ولم استغن عن غياث فضلك جعلت لي قوتاً من فضل طعام وشراب أجريته لأمتك التي اسكنتني جوفها وأودعتني قرار رحمها. ولو تكلني يا ربّ في تلك الحالات إلى حولي أو تضطرني إلى قوّتي لكان الحول عنِّي معتزلا، ولكانت القوّة مني بعيدة، فغذوتني بفضلك غذاء البرّ اللطيف، تفعل ذلك بي تطوّلاً على إلى غايتي هذه، لا أعدم برّك، ولا يبطئ بي حسن صنيعك ولا تتأكد مع ذلك ثقتي فاتفرغ لما هو احظى لي عندك>. [دعاء٣٢ ]