موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٣٣
بل لقد كان من عادته (صلى الله عليه وآله) مجالسة الفقراء ، والاهتمام بهم ، حتّى ساء ذلك أهل الشرف والجاه ، وشقّ عليهم ، وطالبه الملأ من قريش بأن يبعد هؤلاء عنه ليتّبعوه ، وأشار عليه عمر بطردهم ، فنزل قولـه تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [١] .
ويظهر : أنّ الآية قد نزلت قبل الهجرة إلى الحبشة لوجود ابن مسعود في الرواية ، أو حين بلوغهم أمر الهدنة ، ورجوعهم إلى مكّة .
ولكن يبقى إشكال أن ذكر عمر في هذا المقام في غير محلّه ، لأنّه لم يكن قد أسلم حينئذٍ ، لأنّه إنّما أسلم قبل الهجرة إلى المدينة بيسير .
كما أنّ الله تعالى قد وصف نبيّه في سورة القلم التي نزلت قبل سورة عبس وتولّى بأنّه على خُلق عظيم ، فإذا كان كذلك ، فكيف يصدر عنه هذا الأمر المنافي للأخلاق ، والموجب للعتاب واللوم منه تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله) ، فهل كان الله ـ والعياذ بالله ـ جاهلاً بحقيقة أخلاق نبيّه ؟ أم أنّه يعلم بذلك لكنّه قال هذا لحكمة ولمصلحة اقتضت ذلك ؟ نعوذ بالله من الغواية ، عن طريق الحقّ والهداية .
ورابعاً : إنّ الله تعالى يقول في الآيات : { وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى } [٢] ، وهذا لا يناسب أن يخاطب به النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، لأنّه مبعوث لدعوة الناس وتزكيتهم .
وكيف لا يكون ذلك عليه مع أنّه هو مهمّته الأُولى والأخيرة ، ولا شيء غيره ، ألم يقل الله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } [٣] ، فكيف يغريه بترك الحرص على تزكية قومه .
____________
١- الأنعام : ٥٢ ، وأُنظر : الدرّ المنثور ٣ / ١٢ . ٢- عبس : ٧ . ٣- الجمعة : ٢ .