سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٤٩٠
أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاءاً حينئذ أهل الكوفة ; لكثرة من بها من شيعة عليّ(عليه السلام) فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ; لأنّه كان منهم أيام عليّ(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل الأعين، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: أنْ لا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أنْ اُنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتّى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، ونتافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد من الناس عاملاً من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربّه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً.
ثمّ كتب معاوية إلى عماله: أنّ الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأوّلين، ولاتتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ، وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضائله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة ولا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشاروا بذلك على المنابر، وألقى إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلمون القرآن، وحتّى علّموا بناتهم ونساءهم