سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٠٩
الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الجبّار وشنا الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون.
فأجابها أبو بكر، عبد الله بن عثمان وقال: يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما رؤوفاً رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وعقابا عظيما، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك دون الأخلاء، آثره على كلّ حميم، وساعده في كلّ أمر جسيم، لا يحبّكم إلاّ سعيد، ولا يبغضكم إلاّ شقيّ بعيد، فأنتم عترة رسول الله الطيبون، الخيرة المنتجبون على الخير أدلتنا، وإلى الجنّة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت إلا بإذنه والرائد لا يكذب أهله أشهد الله وكفى به شهيدا، أنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضّة، لا داراً ولا عقارا، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أنْ يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ماحاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون، ويجاهدون الكفّار، ويجالدون المردة الفجار . . .
فقالت(عليها السلام): سبحان الله، ما كان أبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتاب الله صادفا، ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلا، وناطقاً فصلاً، يقول: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}[١]، ويقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}[٢]، وبيّن عزّ وجلّ فيما وزع من الأقساط، وشرع من
[١] مريم: ٦. [٢] النمل: ١٦.