سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٣٠٨
وأكدت الآمال وخشعت الجبال وأضيع الحريم وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم، وفي ممساكم ومصبحكم يهتف في أفنيتكم هتافاً وصراخاً، وتلاوة وألحاناً، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسوله حكم فصل وقضاء حتم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}[١]، إيهاً بني قيله، أأهضم تراث أبى وأنتم بمرأى منّي ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجنّة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون نامركم فتأتمرون، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ودرّ حلب الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حزتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان، بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أوّل مرّة، أتخشونهم، فالله أحقّ أنْ تخشوه إنْ كنتم مؤمنين ألا وقد أرى أنْ قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض وخلوتم بالدعة، ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم، فإنْ تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإنّ الله لغنيّ حميد، ألا وقد قلت ما قلت، هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها قيضة النفس، ونفثة الغيظ وخور القناة، وبثّة الصدر، وتقدمة الحجّة، فدونكموها، فاحتقبوها دبرة
[١] آل عمران: ١٤٤.