سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٢٥٨
هرقل ممّن تنصّر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا، يعدهم ويمنّيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كلّ حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حرب، ومقرّ لمن يفد من عند أبي عامر الراهب[١].
ثُمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أوتي علم الأوّلين والآخرين، قد أطلعه الله سبحانه على ذلك المخطّط الخبيث من الصحابة المنافقين. ولذلك قام بخطوة مهمّة جدّاً للالتفاف على مخطّط أولئك المجرمين، فقد ابقى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في المدينة، وخلفه فيها حرصاً على استتباب الأمن، وبقاء السيطرة في يد المؤمنين على المدينة المنوّرة، والتي هي مركز القيادة الرئيسي، ومركز الدولة الإسلاميّة.
وهذه المهمّة الكبيرة والخطيرة عادة لا يعهد بها إلا لأهمّ شخصيّة، تكون محلّ الثقة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وكانت تلك الشخصيّة المهمّة هي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه.
وقد كانت تلك المرّة الوحيدة التي لم يشترك فيها أمير المؤمنين في غزوة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع العلم أنّ اشتراك أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلّ الغزوات، كان هو السبب الرئيسي والعامل الأساسي للنصر. اُنظر مواقفه الخطيرة والحسّاسة والتي دائما كانت نقطة تحوّل عظيمة ودعائم أساسيّة في حفظ الدين ونصرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ودينه العظيم، فلقد كان سلام الله عليه من بداية الدعوة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما قدّم نفسه فداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بات في فراشه يوم أجمعت قريش على قتل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مكّة، ونزل قرآن يمجّد ذلك الموقف العظيم من أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ
[١] البداية والنهاية ٥: ٢٧.