سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٢٥٦
الحادثة الأثيمة إلى المدينة، قام بحرق مسجد الضرار وهدمه، وقد نزلت آيات شريفة تذكر هذا المسجد وقصّته، قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}[١].
روى في السيرة النبويّة لابن هشام: في أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك: قال ابن إسحاق: ثُمّ أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى نزل بذي أوان، بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه، وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنّا نحبّ أنْ تأتينا، فتصلّي لنا فيه، فقال: "إنّي على جناح سفر، وحال شغل، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم، ولو قد قدمنا إنْ شاء الله لأتيناكم، فصلّينا لكم فيه".
فلمّا نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مالك ابن الدخشم، أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدىّ، أو أخاه عاصم بن عدىّ، أخا بني العجلان، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرّقاه، فخرجا سريعين حتّى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتّى أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثُمّ خرجا يشتدّان حتّى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ}، إلى آخر القصّة[٢].
[١] التوبة: ١٠٧ ـ ١٠٨. [٢] السيرة النبويّة لابن هشام ٤: ٥٩٦ .