سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ١٢٤
الأَْقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال لي: "يا عليّ، إنّ الله أمرني أنْ أنذر عشيرتي الأقربين"، قال: "فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى ما أباديهم بهذا الأمر أرَ منهم ما أكره، فصمتُ حتّى جاء جبرائيل، فقال: يا محمّد، إنّ إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّا من لبن، ثُمّ اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلّمهم، وأبلغهم ما أمرت به"، ففعلت ما أمرني به، ثُمّ دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب: فلمّا اجتمعوا إليه، دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حذيّة من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثُمّ ألقاها في نواحي الصحفة، قال: "خذوا باسم الله" فأكلّ القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس عليّ بيده إنْ كان الرجل الواحد ليأكلّ ما قدّمت لجميعهم، ثُمّ قال: "اسق الناس" فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعا، وأيم الله إنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يكلّمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: - لهدّ ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال الغد: "يا عليّ، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القوم، فتفرّق القوم قبل أنْ أكلّمهم، فأعدّ لنا من الطعام مثل الذي صنعت، ثُمّ اجمعهم لي".
قال: ففعلت، ثُمّ جمعتهم. ثُمّ دعاني بالطعام، فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة قال: "اسقهم" فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثُمّ تكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: "يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أنْ أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أنْ يكون أخي" وكذا وكذا! قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،