مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ٣١٢
ولا يقتصر الأمر على ابن بطة أو المذهب الحنبلي، فإنك لو تتبعت كتب التراجم، لوجدت أمثلة عديدة مشابهة، فبعـد أن يثنـوا على الشخص ويطـروه، وينزلـوه منزلـة عظيمة في المذهب، تجدهم بنفس الوقت يقولون عنه إنه وضّاع، أو يقلب الأسانيد، وغيرها من المخالفات المسقطة لحجّية روايته، فمثلاً نجد في ترجمة الفقيه محمد بن عمر بن مصعب المروزي، أن الذهبي ذكره في تذكرة الحفاظ، ومدحه وأطراه ثم قال: "قال الدارقطني كان حافظاً عذب اللسان مجوداً في السنّة والرد على المبتدعة، لكنّه كان يضع الحديث". وقال ابن حبان: "وكان ممن يضع المتون ويقلب الأسانيد ولعلّه قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث، وفي الآخر ادّعى شيوخاً لم يرهم".
فانظر كيف جمعوا بين المتناقضات، فمن جهة هو حافظ مجود في السنّة، ومن جهة هو وضّاع يقلب الأسانيد ويدّعي شيوخاً لم يرهم!!
والأمر نفسه تجده في الراوية المشهور سيف بن عمر، فبالرغم من اتفاق الجميع على أنه كذّاب وضّاع إلاّ أنك تجدهم يعتمدونه ويحتجّون برواياته، كما هو منتشر في الدراسات التاريخية، وخصوصاً تلك الصادرة عن الدوائر السلفية، وما ذلك إلاّ لأن رواياته تتفق ورؤيتهم التاريخية، وتفسيرهم للأحداث، لذلك لا يهمّهم أنه كذّاب وضّاع، طالما مروياته تصبّ في منفعة المعتقد الذي يؤمنون به.
وإذا كان هذا حال أتباع المذاهب الإسلامية مع مذاهبهم التي تعلن أن همّها هو حفظ الدين ورعاية حدوده، فكيف بأتباع دولة بني أمية الذين لا يهمهم سوى رعاية الدولة وحفظ مصالحها؟