مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ٢٩٠
وهو ذاته الذي أحرق السيرة النبوية لأنّ فيها ذكر الأنصار فجمع الشرّين بغض أهل البيت وبغض الأنصار، وكذلك فهو لا يخفى عليه تاريخ أُسرة أبي بكر، ومع ذلك ولّاه فخالف في ذلك سيرة بني أُمية في عدائها للأنصار وفي طريقة توليتها للأُمراء ، حيث أنّهم ـ وكما مرّ بك توضيحه ـ لا يولّون إلّا أُموياً أو قرشياً، فهم ولّوا على المدينة بالذات ستين أميراً ليس فيهم إلّا أُموي أو قرشي، ما عدا
أبي بكر حيث كان الأنصاري الوحيد الذي تولى المدينة لهم!!
وكلُّ هذا لا يمكن أن يتحمله ابن عبدالملك من أجل أبي بكر لولا أنّه رأى من أبي بكر من الأعمال والمواقف الموالية لبني أُمية والمعادية لأعدائهم ما جعله يطمئن لهذا الرجل ولتوجهاته الأُموية إلى درجة جعلته ينسى أنّه أنصاري وأنّه ابن تلك الأُسرة المعادية لهم، وهل يوجد من عمل يرضي سلطان بني أُمية إلّا النصب والبغض للإمام علي(عليه السلام) ، فالناصبي لا يرتضي ولا يقرّب إلّا ناصبياً مثله[١]. وأما عدم ذكر ذلك عنه في تراجمه بشكل صريح كما ذكر في غيره، فهذا
[١] ولم يتوقّف الرجل في التشبه ببني أُمية عند بدعة النصب فقط ، بل تشبّه بهم حتى في لبسه وإن كان ذلك اللبس حرام كما ينقل ذلك عنه الذهبي في ترجمته في (سير أعلام النبلاء) نقلاً عن أبي الغصن المدني أنّه رأى أبا بكر بن حزم وفي يده خاتم ذهب فصّه ياقوتة حمراء، والذهبي لم ينكر، وإنّما حاول أن يعتذر لأبي بكر بقوله: "لعله ما بلغه التحريم ويجوز أن يكون فعله وتاب". وهذا الاعتذار مع أنه غير مقبول، فهو كذلك يعكس تسليم الذهبي للحادثة، وإلاّ لناقش فيها قبل الاعتذار. فإذا علمت أن ناقل الحدث أبا الغصن المدني ثابت بن قيس الغفاري كان يصغر أبا بكر بثلاثة عقود، عندها تعرف أنّ أبا بكر ارتكب هذه المعصية، وهو يعلم بحرمتها، لا كما حاول الذهبي أن يصوّرها، مع أن حرمة لبس الذهب من الأحكام المشهورة التي لا تخفى حتى على الصبيان فكيف بالفقهاء! وإذا علمت أن بني أمية كانوا لا يتورّعون عن ارتكاب المحرمات من لبس الذهب والحرير وغيرها، فقد أخرج أبو داود في >سننه" ٢: ١٨٦، حديثاً نأخذ منه موضع الحاجة، وهو أن المقدام بن معدي كرب وفد إلى معاوية مع جماعة، وخاطبه قائلاً: "يا معاوية إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قال أفعل، فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم، قال فأنشدك بالله هل سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ينهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، قال: فوالله لقد رأيت هذا كلّه في بيتك يا معاوية! فقال معاوية قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام. وفي ضوء ذلك يتضح لك أن أبا بكر إنما ارتكب هذه المعصية تشبهاً ببني أمية، وليعلن لهم أنّه لا يتخلّف ولا يختلف عنهم في كل شيء حتى في ملبسه. وهنا نسجل هذا التساؤل، وهو أن الذي لا يتورع عن ارتكاب حرمة لا تخفى حتى على الصبيان، ويتجاهر بها أمام الملأ، وليس هناك ما يبرر فعلها سوى إرضاء الآخرين، أو الاستخفاف بالدين، فهل تراه يتورّع عن فعل حرمة هي أخفى، ولها في عرفهم ما يبررها كقولهم إن فيها مصلحة الدولة الحامية للدين؟