مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ١٩٦
وبهذا يكون قد اتضح لك أن الصلاة البتراء لابدّ وأن تكون قد ظهرت في زمن بني أمية، فكانوا هم المؤسسون لها، والحاملون الناس عليها، حتى أصبحت هي السنّة[١].
وهذا الدليل صريح فيما ادعيناه، وهو يغنينا عن تلمس التصريح المباشر من معاوية، أو بقية بني أمية على ترك الصلاة على الآل؛ لاتفاق كل المعطيات المتقدّمة على حقيقة أن حذف الآل، والعمل بالصلاة البتراء تعدّ من بديهيات السياسة الأموية التي لا تحتاج إلى تصريح والتي تصدر منهم تلقائياً ودون توجيه مسبق والناس تتابعهم على ذلك دون سؤال؛ لما وقر في نفوسهم من أن ما يريده بنو أمية لا يمكن تجاوزه، وخصوصاً ما كان يتعلق بحربهم على أهل البيت(عليهم السلام).
[١] نقل ابن أبي الحديد في شرحه للنهج (١٣: ٢٢٣) عن شيخه أبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي أنه قال: >إن بعض الملوك ربما أحدثوا قولاً أو ديناً لهوى، فيحملون الناس على ذلك، حتى لا يعرفون غيره، كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان، وترك قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب، وتوعّد على ذلك بدون ما صنع هو وجبابرة بني أميّة وطغاة بني مروان بولد علي× وشيعته، وإنما كان سلطانه نحو عشرين سنة، فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان، ونشأ أبناؤهم لا يعرفون غيرها، لإمساك الآباء عنها، وكفّ المعلمين عن تعليمها. حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله وأبيّ ما عرفوها، ولظّنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان، لإلف العادة وطول الجهالة. لأنه إذا استولت على الرعيّة الغَلبة، وطالت عليهم أيام التسلّط، وشاعت فيهم المخافة، وشملتهم التقية، اتفقوا على التخاذل، والتساكت فلا تزال الأيّام تأخذ من بصائرهم، وتنقص من ضمائرهم، وتنقض من مرائرهم، حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنّة التي كانوا يعرفونها، ولقد كان الحجاج ومن ولاّه، كعبد الملك، والوليد، ومن كان قبلهما وبعدهما من فراعنة بني أمية على إخفاء محاسن علي×، وفضائله، وفضائل ولده وشيعته، وإسقاط أقدارهم، أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد الله وأبيّ، لأن تلك القراءات لا تكون سبباً لزوال ملكهم، وفساد أمرهم، وانكشاف حالهم، وفي اشتهار فضل عليّ× وولده وإظهار محاسنهم بوارهم، وتسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم، فحرصوا واجتهدوا في إخفاء فضائله، وحملوا الناس على كتمانها وسترها<.