مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ١٩٠
ومن كلام الشافعي نستفيد أمراً مهماً، وهو أنّ الإنكار على معاوية ليس بالأمر السهل، وإن كان في فعل يخالف السنّة إلاّ إذا كان في أمر واضح اجتمع عليه الصحابة، وتوفر الظرف المناسب للردّ على مخالفة معاوية، وهذا أمرٌ خطير لابد من التأمل فيه جيداً، فإنه ينبئ عن رغبة معاوية وقدرته على تغيير ما يريد تغييره من السنة وخصوصاً ما كان فيه مخالفة لما اشتهر عن الإمام علي(عليه السلام)، وهذه لعمري نكاية عظيمة في الدين ما زلنا ندفع ثمنها، فعلى المسلمين الغيارى التنبه لذلك والبحث بشكل جدي عمّا غيّره معاوية وحزبه وما زال العمل قائماً عليه لحد الآن.
و مما لا شك فيه أنّ الدافع لمعاوية لتغيير ما عليه الصحابة من سنّة الجهر بالبسملة ليس لعلم تفرّد به عنهم، أو سنة نسوها أراد تذكيرهم بها بعدما آل الأمر إليه، بل لأمر آخر لا يخفى، وهو علمه أنّ الجهر بالبسملة من السنن التي عرف الإمام علي(عليه السلام) بالعمل بها، والتأكيد عليها فأراد إبطال هذه السنّة النبوية بغضاً لعلي وإبطالاً لآثاره وذكره، وإلا ما شأن معاوية والجهر بالبسملة أو عدمه حتى يتحمل مخالفة الصحابة كلّهم له وتألبهم عليه؟!
وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازي في معرض توجيهه لاضطراب روايات أنس؛ حيث قال: >وأيضاً ففيها تهمة أخرى، وهي أنّ علياً(عليه السلام)، كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار علي(عليه السلام)، فلعلّ أنساً خاف منهم فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه<[١].
ومراد الفخر الرازي من قوله هذا أنه يُرجع اضطراب أقوال أنس إلى خوفه من بني أمية، وحيث إنّ بني أمية يريدون المنع من الجهر فيعني ذلك أنّه وضع
[١] تفسير الفخر الرازي، ١: ٢١١ في تفسير آية البسملة من سورة فاتحة الكتاب.