مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ١٨٩
ومثال آخر، وهو ما يتعلق برواية أنس بن مالك في مسألة قراءة البسملة في الصلاة؛ حيث روى عدّة روايات تفيد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون بالبسملة، ولكن العجيب أنه روى روايات، وقال إنهم كانوا يخفتون، وفي إحداها أنه سئل عن المسألة فقال لا أدري[١]، وهذا الاضطراب في رواية صحابي واحد في مسألة واحدة حتى وصلت به الحال أن ينكر معرفته بتلك المسألة التي روى فيها ست روايات.
هذه الحالة لابدّ أن يكون لها سبب حقيقي يبررها بشكل منطقي ومعقول؛ وإلاّ لا يعقل أن يروي أنس روايات متناقضة في مسألة واحدة لا يحصل الشك والتردد في مثلها؛ لأنها أثر حسّي يحصل كل يوم عشر مرات، دون أن يكون لهذا التناقض سبب وجيه، ولو فتشت، فلن تجد له سبباً إلا الدولة الأموية وسياستها؛ حيث تبنت السياسة الأموية عدم الجهر بالبسملة في الصلاة خلافاً لما هو معروف عن الإمام علي(عليه السلام) ولما أجمع عليه الصحابة ، فقد روى الشافعي بإسناده أنّ معاوية قدم المدينة فصلّى بهم، ولم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ولم يكبرّ عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلمّا سلّم ناداه المهاجرون والأنصار، يا معاوية سرقت منّا الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير عند الركوع والسجود؟ ثم أنّه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.
قال الشافعي: >إنّ معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أنّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار؛ وإلاّ لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية<[٢].
[١] تفسير الفخر الرازي، ١: ٢٠٩ ـ ٢١١ تفسير آية البسملة من سورة فاتحة الكتاب. [٢]المصدر السابق نفسه.