مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ٤٢
المعروف عن حالة انتظار الوحى من أنها حالة معنوية تستدعي السرور، نعم هي مصحوبة بحالة من الإجهاد والتعرق لا أنها مصحوبة بالغضب والصمت حتى تمنّى المسلمون لو لم يسألوه. فهل كره المسلمون نزول الوحي وهم المعروفون بحبّهم له؟ مضافاً الى أن نزول الوحى حالة مؤثرة وموضع اهتمام المسلمين ولو كانت لنقلوها ـ ولنقلها أبو مسعود نفسه ـ ولما اقتصر ذلك على رواية مجهولة الحال.
ومن هنا يرجح عندنا أن السبب الحقيقي وراء الصمت والغضب النبوي هو أن بعض الصحابة كرهوا إضافة الآل الى كيفية الصلاة المأمور بها، فأرادوا بتكرار السؤال أن يسمعوا من النبيّ صلّى الله عليه وآله تراجع عن ذكرهم ولو لمرة واحدة فيتخذوه ذريعة على عدم ذكرهم، فعلم النبيّ صلّى الله عليه وآله ذلك منهم فأراد أن ينهاهم عن هذا التلكؤ، وعدم التسليم لما أمرهم به[١]، فأظهر ذلك الصمت والغضب لعلهم ينتهون، ثم عاد ليؤكد كيفية الصلاة بعبارة صريحة تستشعر منها الحزم والصرامة، واضعاً إياها بقالب من المماثلة والمرادفة بين عنوان التكليف وكيفية الأداء فقال: "إذا أنتم صليتم عليّ فقولوا: اللهمّ صل على محمّد
[١] ولا تستغرب عزيزي القارئ ، هذا التمنع، وعدم الطاعة لأوامر النبيّ صلّى الله عليه وآله من قبل الصحابة ، فله نظائر عديدة في حياتهم وقد نقلته مصادر الحديث والتاريخ وبطرق صحيحة ولم ينكرهُ أحد وستأتي الإشارة له في بعض محطات البحث، ولا بأس أن نذكر هنا مصداقاً واحداً أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري ، ابن حجر ٥: ٤٢٦ في تعليقه على ح ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ باب الشروط في الجهاد) في نقله لقصّة صلح الحديبية فبعد أن أمضى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الصلح مع المشركين توجه لأصحابه،وقال لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يقم منهم أحد، دخل على أمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. وعقّب ابن حجر قال: >وفي رواية ابن إسحاق "فقال لها: ألا ترين إلى الناس؟ إنّي آمرهم بالأمر فلا يفعلونه". وقال ابن حزم في (الأحكام ٦: ٢٥٤ باب ٣٦ في إبطال التقليد) معلّقاً على هذه الواقعة: "وأعظم من هذا كلّه، تأخّر أهل الحديبية عن الحلق والنحر والإحلال، إذ أمرهم بذلك (صلّى الله عليه وسلّم) حتى غضب وشكاهم إلى أمّ سلمة أمّ المؤمنين".