مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ٢٢١
عند عوام الناس؛ لذلك تجدهم أسرع إلى متابعة السلطان لاجتماع غريزة التقليد فيهم، مع الخشية، وطلبهم للعافية. والتقليد فيهم تراه يأخذ بعداً أقوى إذا كان السلطان يتلبس بلباس الشريعة، فيوهمهم بأن ما يأمرهم به له أصل في الشريعة.
والناس بطبيعتهم إذا اعتادوا على شيء فمن الصعب، بل من المستحيل أن تتمكن من تغييره فيهم خصوصاً إذا كان مرتبطاً بالعقيدة، وأصبح من مميزات انتمائهم المذهبي، فبنو أمية تحكّموا في عقائد الناس لعشرات السنين ومرّت أجيال لا تعرف من الصلاة إلاّ البتراء حتى تأصّلت فيهم واستحكمت عليها طباعهم، فما عادوا يتصوّرون، أو يصدقون أن السنّة في غير ما تعوّدوا عليه، وهكذا ورثها التالون عن الأولين إلى هذه الساعة، وكم له من نظير في عقائد الناس لا تخفى على المتتبع.
وأمّا اتّباع العلماء لبني أمية وتقليدهم في ما غيـّروه من السنن، فالغالب فيه هو الخوف والتقية، وإن كان بعضهم انخرط في التيار الأموي، وأخذ يرّوج لأفكاره، ويدافع عن أفعاله أمثال الزهري، والشعبي، وأبي بكر بن حزم، وابن سيرين وغيرهم، ولو راجعت تراجمهم، لوجدت ذلك واضحاً فيهم[١].
وسواء كان بفعل التقية، أم لأسباب أخرى، فإن العمل بالصلاة البتراء انتشر في أوساط علماء العصر الأموي ومرّت على ذلك منهم أجيال، كل جيل يضيف للعمل بها شيئاً من الشرعية والقدسية بفعل كثرة الاستعمال، وطول العهد. واستمرّ الأمر هكذا حتى وصل إلى علماء ما بعد الفترة الأموية، فأخذوه سنّة مسلّمة، دون
[١] قال حسن فرحان المالكي في كتابه "قراءة في كتب العقائد"، ص ٧٦: >استطاع بنو أمية بالترغيب والترهيب ضم بعض العلماء، وطلاب العلم لنظرتهم، كما فعلوا مع الشعبي والزهري وقبيصة بن ذؤيب وابن سيرين ورجاء بن حياة وغيرهم، فهؤلاء كان فيهم نفور عن ذكر أهل البيت بخير أو بشر، وكانوا يفضلون السكوت عنهم!! وهذا السكوت يعني الإهمال والإماتة لذكرهم".