مختصر الصلاة البتراء - المدني، محمد هاشم - الصفحة ٢٢٠
ذلك، حتى لا يعرفون غيره، كنحو ما أخذ الناسَ الحجاجُ بن يوسف بقراءة عثمان وترك قراءة ابن مسعود وأبيّ بن كعب، وتوعّد على ذلك بدون ما صنع هو وجبابرة بني أمية وطغاة بني مروان بولد علي(عليه السلام) وشيعته، وإنما كان سلطانه نحو عشرين سنة، فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان، ونشأ أبناؤهم لا يعرفون غيرها، لإمساك الآباء عنها، وكفّ المعلمين عن تعليمها، حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله وأبيّ ما عرفوها، ولظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان، لإلف العادة وطول الجهالة، لأنه إذا استولت على الرعية الغلبة، وطالت عليهم أيام التسلط وشاعت فيهم المخافة، وشملتهم التقية، اتفقوا على التخاذل والتساكت فلا تزال الأيام تأخذ من بصائرهم، وتنقص من ضمائرهم، وتنقض من مرائرهم، حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنّة التي كانوا يعرفونها"[١].
وما نحن فيه من الصلاة البتراء ما هو إلاّ مفردة من مفردات هذه الظاهرة، وهي غلبة اتّباع السلطان عند الناس، ولا يخفى أن سببه في عموم الناس يختلف في أنواعه ومستوياته عن سببه في علمائهم، ومن له حظ في معرفة الحقيقة.
فالإتّباع له أسباب، ومبررات متعددة لا تنحصر في الخوف، والتقية فقط، فالتقليد بنفسه غريزة متغلغلة في نفوس الناس تسيرها من حيث لا تشعر كما يقول الإمام أبو زهرة: >إن نزعة التقليد متغلغلة في نفوس الناس توجههم، وهم لا يشعرون"[٢].
وهذه الغريزة بطبيعتها تشتدّ، وتصبح هي الموجه الرئيس للعقائد، والسلوك
[١] شرح النهج ١٣: ٢٢٣. [٢] تاريخ المذاهب الإسلامية / أبو زهرة، ص ٩.