فاطمة الزهراء (عليها السلام) سرّ الوجود - العلوي، السيد عادل - الصفحة ١٣

إمّا بصوت الرحمن فيتلو به القرآن، وإمّا بصوت الشيطان فيطلقه في الغناء، وكلّ مراده هو إظهار كمال صوته، فكذلك تعالى له الكمال المطلق الذي لا تحيط به العقول، فلا يليق بكماله المطلق إلاّ أن يظهر كماله، وإلاّ لزم النقص وهو تعالى منزّه عنه، فمن كمال الكمال ظهور وإظهار الكمال، ولهذا جاء في الحديث مع غضّ النظر عن المناقشة في سنده ودلالته: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي اُعرف»، فحبّه للمعرفة لكماله المطلق، وهذا يسمّى بسرّ الخالق إن صحّ التعبير، وأمّا سرّ المخلوق فهو عبارة عن الرحمة الإلهية والعلم والعبادة، فخلقه تعالى للخلق كافّة هو من باب الكمال لا للاحتياج، فيندفع الإشكال في ذلك، فخلق الخلق لأنّه فيّاض لا لحاجته للمظهر والمعرّف، وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة وهو من توحيد الصدّيقين: «ألغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يستدّل به عليك، أنت الذي دللتني عليك»[١]، فبالله أعرف الله تعالى، أي بالعلّة أعرف المعلول لا بالمعلول أعرف العلّة[٢]، فظهور الخلق من الله لوصول المخلوقات إلى كمالها، فهذه المخلوقات تسبّح بحمده فهي في مقام الجلال، وتحمده فتكون في مقام الجمال، فقولنا في سورة الحمد (فاتحة الكتاب الكريم) الحمد لله: أي له الثناء كلّه وله الحمد كلّه، فهو المستحقّ لذلك لأنّه الجمال المطلق ومطلق الجمال وإنّه يحبّ الجمال، وهذا معنى قول العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام) عندما قالت في جواب ابن زياد اللعين عندما أراد أن يجرح


[١] دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام)، مفاتيح الجنان: أعمال يوم عرفة.

[٢] هناك معرفتان: معرفة للعلّة من خلال المعلول ويسمّى هذا بالبرهان اللمّي، ومعرفة المعلول بالعلّة ويسمّى بالبرهان الإنّي.