ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٥٨٠
وقد تحقّق لديّ كلّ هذا بعد البحث والتمحيص، وعندي أدلّة قاطعة على ما أقول : فليتهم إذ يحاولون عبثاً كلّ هذه المحاولات لتبرير أعمال الصحابة الذين انقلبوا على الأعقاب، فجاءت أقوالهم متناقضة بعضها مع بعض ومتناقضة مع التاريخ، ليتهم اتّبعوا الحقّ ولو كان مرّا إذاً لأراحوا واستراحوا، ولكانوا سبباً في جمع شمل هذه الأمّة المتمزّقة والمتناحرة لا لشيء إلاّ لتأييد أقوالهم أو تفنيدها.
وإذا كان بعض الصحابة الأوّلين غير ثقات في نقل الأحاديث النبويّة الشريفة، فيبطلون منها ما لا يتماشى وأهواءهم، وخصوصاً إذا كانت هذه الأحاديث من الوصايا التي أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند وفاته، فقد أخرج البخاري ومسلم بأن رسول الله أوصى عند موته بثلاث :
* أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.
* أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم...
ثمّ يقول الراوي : ونسيت الثالثة [١] .
فهل يعقل أن الصحابة الحاضرين الذين سمعوا وصايا الرسول الثلاث عند موته ينسون الوصية الثالثة، وهم الذين كانوا يحفظون القصائد الشعريّة الطويلة بعد سماعها مرّةً واحدة؟ كلا ولكن السياسة هي التي أجبرتهم على نسيانها وعدم ذكرها، إنّها مهزلة أخرى من مهازل هؤلاء الصحابة، ولأن الوصيّة الأولى لرسول الله كانت بلا شك استخلاف علي بن أبي طالب فلم يذكرها الراوي.
[١] صحيح البخاري ٤: ٣١، باب ١٧٦ جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير، صحيح مسلم ٥: ٧٥، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه، سنن أبي داود ٢: ٤١، السنن الكبرى ٩: ٢٠٧، المصنّف للصنعاني ٦: ٥٧، مسند أبي يعلى الموصلي ٤: ٢٩٨، نصب الراية للزيلعي ٤: ٣٤٣.