ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٥٦٠
مالك، وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال، ويقال إنّه لم ير أجمل منها وفتن خالد بجمالها.
وقال له مالك : يا خالد أبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، وتدخّل عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري، وألحّا على خالد أن يبعثهم إلى أبي بكر، فرفض خالد وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله، فالتفت مالك إلى زوجته ليلى وقال لخالد : هذه التي قتلتني، فأمر خالد بضرب عنقه وقبض على ليلى زوجته ودخل فيها في تلك الليلة [١] .
[١] تاريخ الطبري ٢: ٥٠٣، تاريخ اليعقوبي ٢: ٨٩، تاريخ أبي الفداء ١: ٢٢١، وللاطلاع أكثر نورد ما ذكره العلاّمة الأميني في الغدير ٧: ١٥٨ ـ ١٦٥:
رأي الخليفة في قصة مالك:
سار خالد بن الوليد يريد البطاح حتّى قدمها فلم يجد بها أحداً، وكان مالك بن نويرة قد فرَّقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع، إنّا دُعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتّى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإيّاكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرّقوا وادخلوا في هذا الأمر، فتفرّقوا على ذلك، ولمّا قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكلِّ من لم يُجب، وإن إمتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يأذّنوا ويقيموا إذا نزلوا منزلاً فإن أذن القوم وأقاموا فكفّوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلاّ الغارة ثمّ تقتلوا كلّ قتلة الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقرّوا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شيء إلاّ الغارة، ولا كلمة، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السيرة فيهم، وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنَّهم قد أذَّنوا وأقاموا و صلّوا، فلمّا اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء وجعلت تزداد برداً، فأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة القتل فظنَّ القوم أنَّه أراد القتل ولم يرد إلاّ الدفء فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اَ أمراً أصابه، وتزوّج خالد أمّ تميم امرأة مالك، فقال أبو قتادة: هذا عملك؟ فزبره خالد فغضب ومضى. وفي تاريخ أبي الفداء: كان عبد الله بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقتلك وتقدَّم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه.
فقال عمر لأبي بكر: إنَّ سيف خالد فيه رَهَق وأكثر عليه في ذلك فقال: يا عمر! تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وفي لفظ الطبري وغيره: إنَّ أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذاناً فشنّوا الغارة فاقتلوا وحرِّقوا، وكان ممَّن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها، وكان يحدِّث أنَّهم لمّا غشّوا لقوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنّا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون؟ فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثمَّ صلّينا وصلّوا، وكان خالد يعتذر في قتله: انَّه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحباً. ثمَّ قدَّمه فضرب عنقه وعنق أصحابه.
فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدوّ الله عدا على امريء مسلم فقتله ثمَّ نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد، معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطَّمها ثمَّ قال: أرئاء؟ قتلت امرءاً مسلماً ثمَّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنُّ إلاّ أنَّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالسٌ في المسجد فقال خالد: هلمّ إليَّ يا بن اُمّ شملة؟ قال فعرف عمر أنَّ أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه ودخل بيته.
وقال سويد: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً وإنَّ أهل العسكر أثفوا برؤسهم القدور فما منهم رأس إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإنّ القِدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشَر حرَّها أن يبلغ منه ذلك.
وقال ابن شهاب: إنَّ مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلمّا قتل أمر خالد برأسه فنصب أثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه.
وقال عروة: قدم أخو مالك متمِّم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم فكتب له بردِّ السبي، وألحَّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إنَّ في سيفه رهقاً. فقال: لا يا عمر! لم أكن لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وروى ثابت في الدلائل: انَّ خالداً رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني. يعني سأُقتل من أجلك (تاريخ الطبري ٣:٢٤١، تاريخ ابن الأثير ٣: ١٤٩، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥، تاريخ ابن عساكر ٥: ١٠٥، ١١٢، خزانة الأدب ١: ٢٣٧، تاريخ ابن كثير ٦: ٣٢١، تاريخ الخميس ٢: ٢٣٣، الإصابة ١: ٤١٤ و٣: ٣٥٧).
وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إنَّ مالك بن نويرة (رضي الله عنه)قال لامرأته يوم قتله خالد بن الوليد: أقتلتني. أي عرَّضتني بحسنِ وجهكِ للقتل لوجوب الدفع عنكِ، والمحاماة عليك، وكانت جميلة حسناء تزوَّجها خالد بعد قتله فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقيل فيه:
| أفي الحق أنا لم تجفّ دماؤنا | وهذا عروساً باليمامة خالدُ؟ |