ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٥٥٢
السنّة وتفسيرها، وقد علمنا أحوال الصحابة وما فعلوه وما استنبطوه واجتهدوا فيه بآرائهم مقابل النصوص الصريحة وهي تعدّ بالمئات، فلا يمكن الركون إلى مثلهم بعد ما حصل منهم ما حصل.
وإذا سألنا علماءنا : أيّ سنّة تتبعون؟
لأجابوا قطعاً : سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)!
والواقع التاريخي لا ينسجم مع ذلك; فقد رووا بأنّ الرسول نفسه قال : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ » [١] .
إذن فالسّنة التي يتّبعونها هي في أغلب الأحيان سنّة الخلفاء الراشدين، وحتى سنّة الرسول التي يقولون بها فهي المرويّة عن طريق هؤلاء.
على أنّنا نروي في صحاحنا أنّ الرسول منعهم من كتابة سننه لئلا تختلط بالقرآن، وكذلك فعل أبو بكر وعمر إبّان خلافتيهما، فلا يبقى بعد هذا حجّة في قولنا « تركت فيكم سنّتي » [٢] .
[١] سنن أبي داود ٤: ٢٨٠، وغيره من المصادر، لكنّ الحديث ضعيف سنداً ودلالة، راجع نفحات الأزهار ٢: ٣٠٩، والرسائل العشر كلاهما للسيّد الميلاني.
[٢] فالحديث المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حرج..» صحيح مسلم ٨: ٢٢٩، المستدرك للحاكم ١: ١٢٧ وغيرها من المصادر.
وأمّا أبو بكر فقد جمع الأحاديث المكتوبة وحرقها، فعن عائشة قالت: «جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقّلب كثيراً.
قالت: فغمّني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟
فلمّا أصبح قال: أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها.
فقلت: لم حرقتها؟
قال: خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدّثني فاكون قد نقلت ذاك» تذكرة الحفاظ ١: ٥.
وأمّا عمر بن الخطّاب فقد روى صاحب الكنز ١٠: ٢٩١: «عن الزهري عن عروة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فظلّ عمر(رضي الله عنه) يستخير الله فيها شهراً، ثُمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً فيكم كتبوا كتباً فاكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، والله إنّي لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً ـ ابن عبد البرّ في العلم.
عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثُمّ أصبح فقد عزم له فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتباً فاقبلوا عليه وتركوا كتاب الله ـ ابن سعد».