ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٧٢
وقد بحثت كثيراً عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيّرون سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واكتشفت أنّ الأمويين هم الذين فعلوا ذلك، وكان أغلبهم من صحابة النبي، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان ( كاتب الوحي ) كما يسمّونه، كان يحمل الناس ويجبرهم على سبّ علي بن أبي طالب ولعنه من فوق منابر المساجد، كما ذكر ذلك المؤرّخون، وقد أخرج مسلم في صحيحه في باب « فضائل علي بن أبي طالب » مثل ذلك [١] ; وأمر عمّاله ـ يعني معاوية ـ في كلّ الأمصار باتخاذ ذلك اللعن
[١] أسس الأمويّون دولتهم على أساس محاربة أهل البيت (عليهم السلام) والنيل منهم، وتنقيص منزلتهم بين المسلمين، وسبّهم ولعنهم على رؤوس الأشهاد، وقد بدؤا هذا الأمر من حين انتزاء معاوية على كرسيّ الخلافة، فقد أخرج ابن ماجة في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: «قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعداً وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول فيه: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وسمعته يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وسمعته يقول: «لأعطين الراية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله».
وقد علّق الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني في كتابه صحيح ابن ماجة ١: ٧٦ ح ١٢٠ بقوله: «صحيح: الصحيحة ٤: ٣٣٥ (فنال منه)، أي: نال معاوية من علي وتكلّم فيه».
وقال العلاّمة الشيخ محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقته على الحديث: «قوله: (فنال منه) أيّ: نال معاوية من علي ووقع فيه وسبّه» سنن ابن ماجة، تحقيق عبد الباقي ١: ٨٢ ح ١٢١.
وفي صحيح مسلم ٧: ١٢٠: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟
فقال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لئن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول له: ..» فذكر حديث المنزلة والراية والمباهلة.
وفي تاريخ دمشق لابن عساكر ٤٢: ١١٩ قال: «لمّا حجّ معاوية أخذ بيد سعد ابن أبي وقاص فقال: يا ابا إسحاق، إنّا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحجّ حتّى كدنا أن ننسى بعض سننه، فطف نطف بطوافك.
قال: فلمّا فرغ أدخله في دار الندوة فأجلسه معه على سريره ثُمّ ذكر علي بن أبي طالب فوقع فيه!
قال: أدخلتني دارك، واقعدتني على سريرك، ثمّ وقعت فيه تشتمه؟ والله لئن أكون في إحدى خلاله الثلاث أحبّ اليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.. لا أدخل عليك داراً بعد اليوم، ثُمّ نفض رداءه، ثُمّ خرج».
وفي سنن أبي داود ٢: ٤٠١ عن عبد الله بن ظالم المازني قال: «سمعت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل قال: لمّا قدم فلان الكوفة أقام فلان خطيباً، فأخذ بيدي سعيد ابن زيد، فقال: ألاّ ترى إلى هذا الظالم..».
قال العظيم آبادي في عون المعبود ١٢: ٢٦١: «قال في فتح الودود: ولقد أحسن أبو داود في الكناية عن اسم معاوية والمغيرة بفلان، ستراً عليهما في مثل هذا المحل، لكونهما صاحبين فيه، (فاخذ بيدي سعيد بن زيد) هذا مقول عبد الله بن ظالم، (فقال) أي سعيد، (إلى هذا الظالم) يعني الخطيب.
قال بعض العلماء: كان في الخطبة تعريضاً بسب علي(رضي الله عنه)».
وقال الإمام الذهبي في ترجمة عمر بن عبد العزيز: «..كان الولاة من بني أُمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلاً رضى الله عنه!، فلمّا ولي هو أمسك عن ذلك فقال كثير عَزَّة الخزاعي:
وليت فلم تشتم عليّاً ولم تخفِ ٥٦ز بريّاً ولم تتبع مقالة مجرمِ» سير أعلام النبلاء ٥: ١٤٧
وقال ابن تيميّة الحرّاني: «وأمّا عليّ فأبغضه وسبّه أو كفّره الخوارج وكثير من بني أُميّة وشيعتهم الذين قاتلوه وسبّوه..
وأما شيعة علي الذين شايعوه بعد التحكيم، وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم; فكان بينهما من التقابل وتلاعن بعضهم ما كان.
وكذلك تفضيل عليّ عليه لم يكن مشهوراً فيها، بخلاف سبِّه علي فإنّه كان شائعاً في اتّباع معاوية» مجموعة الفتاوى ٤: ٢٦٧.
أما الإمام الأوزاعي صاحب المذهب المنتشر في الشام إلى سنة ٣٤٠ هـ والذي ولي القضاء ليزيد بن الوليد الأموي، يصف الحال الذي كانت عليه الشام وولاتها فيقول: «يقول عيسى بن يونس: سمعت الأوزاعي يقول ما أخذنا العطاء حتّى شهدنا على عليّ بالنفاق!! وتبرّأنا منه!! وأخذ علينا بذلك الطلاق والعتاق وأيمان البيعة».
سير أعلام النبلاء، ترجمة الإمام الأوزاعي ٧: ١٣٠
وقال ابن الأثير في أحداث سنة ٥١ هـ: «وفي هذه السنّة قتل حجر بن عديّ وأصحابه.
وسبب ذلك: إنّ معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة احدى وأربعين، فلمّا أمره عليها دعاه وقال له: أمّا بعد; فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد يجتري عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ وذّمه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب عليّ والاقصاء لهم» الكامل في التاريخ ٣: ٤٧٢، تاريخ الطبري ٣: ٢١٨،
وقال ابن كثير الدمشقي في حوادث سنة ١٠٦: «وحجّ بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك، وكتب إلى أبي الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقّاه، ويكتب له مناسك الحجّ، ففعل، فتلقّاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أُمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبدالله ابن الوليد بن عثمان بن عفّان، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة! لم يزالوا يلعنون أبا تراب، فالعنه أنت أيضاً..»
البداية والنهاية ٩: ١٧١، الكامل في التاريخ ٥: ١٣٠، تاريخ الطبري ٤: ١١٨
فكانت سياسة معاوية هي النيل من سيّد أهل البيت والحطّ من منزلته، وتنقيصه بين عموم المسلمين.
ولم يقف أمره عند هذا الحدّ، بل أخذ يتّبع شيعة علي بن أبي طالب(عليه السلام)ومحبّيه والنيل منهم سجناً وتعذيباً وقتلاً.
قال ابن عساكر في تاريخه ٨ : ٢٥ بعد إلقاء القبض على حجر بن عديّ ومن معه وارسالهم إلى معاوية: «فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي، إن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم; إنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنّه قد عفى عن ذلك، فابرأوا من هذا الرجل نخلّ سبيلكم».
وفي الكامل لابن الأثير ٣: ٤٨٥ حوادث سنة ٥١: «قالوا لهم قبل القتل: إنا قد أُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإنّ فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم».
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي ٦: ٤٦٦ قال: «لما أتي معاوية بحجر قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: أوامير المؤمنين أنا! اضربوا عنقه.
وقيل: إنّ رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجل والتوبة»
وقد ذكر الذهبي اسم ذلك الرجل في تاريخ الإسلام ٤: ١٩٤، وهو علي بن أبي طالب.
وقال الذهبي ـ أيضاً ـ في السير ٣: ١٣٧: «ورجع معاوية بالألفة والاجتماع وبايعه أهل الشام بالخلافة.. فكان يبعث الغارات فيقتلون من كان في طاعة علي».
وفي الإصابة ١: ٤٢٢ في ترجمة بسر بن أرطاة قال: «وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز.. وأمره أن ينظر من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل ذلك».
وفي أسد الغابة ١: ١٨٠: «وكان معاوية سيّره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة علي».
وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١: ٢٠٣ كتب الإمام الحسن إلى معاوية كتاباً قال فيه: «أولست قاتل الحضرمي الذي كتب اليك فيه زياد أنّه على دين علي».
وقال الجاحظ في البيان والتبيين ١: ٢٦٦: «وجلس معاوية رضي الله تعالى عنه بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه، فجاءه رجل من بني تميم، فأراده على ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم، ولا نبرأ من موتاكم..».