ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٣٦
أعرف نفسيات هؤلاء الصحابة الذين اعتلوا منصّة الخلافة، ومهّدوا لقيام الدولة الأموية بصفة مباشرة نزولاً على حكم قريش التي تأبى أن تكون النبوّة والخلافة في بني هاشم[١].
وللدولة الأموية الحقّ ـ بل من واجبها ـ أن تشكر أولئك الذين مهّدوا لها، وأقلّ الشكر أن تستأجر رواة مأجورين يروون في فضائل أسيادهم ما تسير به الركبان، وفي نفس الوقت يرفعون هؤلاء فوق منزلة خصومهم أهل البيت، باختلاق الفضائل والمزايا التي يشهد اللّه أنّها إذا ما بحثت تحت ضوء الأدلّة الشرعية والعقلية والمنطقية فسوف لن يبقى منها شيء يذكر، اللّهم إلاّ إذا أصاب عقولنا مسّ وآمنّا بالتناقضات.
وعلى سبيل المثال لا الحصر : فإنّنا نسمع الكثير من عدل عمر الذي سارت به الركبان، حتّى قيل : « عدلت فنمت »، وقيل : « دفن عمر واقفا لئلاّ يموت العدل معه »، وفي عدل عمر حدّث ولا حرج.
ولكن التاريخ الصحيح يحدّثنا بأنّ عمر حين فرض العطاء في سنة عشرين للهجرة لم يتوخّ سنّة رسول اللّه ولم يتقيّد بها، فقد ساوى النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)بين جميع المسلمين في العطاء، فلم يفضّل أحدا على أحد، واتّبعه في ذلك أبو بكر مدّة خلافته، ولكنّ عمر بن الخطّاب اخترع طريقة جديدة، وفضّل السابقين على غيرهم، وفضّل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضّل المهاجرين كافّة على الأنصار كافّة، وفضل العرب على سائر العجم، وفضل الصريح على المولى[٢]، وفضّل مضر على ربيعة، ففرض لمضر ثلاثمائة ولربيعة مائتين[٣]، وفضّل الأوس على
[١] للتفصيل اقرأ: الخلافة والملك، أبو الأعلى المودودي: ٩٣، الباب الرابع، يوم الإسلام، أحمد أمين: ٦٦، وكتب التاريخ المتعرضة لتلك الحقبة الزمنية.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨: ١١١.
[٣] تاريخ اليعقوبي ٢: ١٠٦.