ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٣٠
وكما أبدلوا عبارة : « يهجر » بلفظ : « غلبه الوجع »؟!
عجبي من هؤلاء الصحابة الذين أغضبوه يوم الخميس، واتّهموه بالهجر والهذيان، وقالوا : « حسبنا كتاب اللّه »، وكتاب اللّه يقول لهم في محكم آياته : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾[١]!
وكأنّهم هم أعلم بكتاب اللّه وأحكامه من الذي أنزل عليه، وها هم بعد يومين فقط من تلك الرزية المؤلمة، وقبل يومين فقط من لحوقه بالرفيق الأعلى، يغضبونه أكثر فيطعنون في تأميره ولا يطيعون أمره.
وإذا كان في الرزية الأولى مريضا طريح الفراش، فقد اضطرّ في الثانية أن يخرج معصّب الرأس، مدّثرا بقطيفة، يتهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان في الأرض، وخطب فيهم خطبة كاملة من فوق المنبر، بدأها بتوحيد اللّه والثناء عليه، ليشعرهم بذلك بأنه بعيد عن الهجر، ثمّ أعلمهم بما عرفه من طعنهم، ثمّ ذكّرهم بقضية أُخرى طعنوا فيها من قبل أربع سنوات خلت، أفهل يعتقدون بعد ذلك بأنّه يهجر، أو أنّه غلبه الوجع، فلم يعد يعي ما يقول؟!
سبحانك اللّهم وبحمدك! كيف يجرؤ هؤلاء على رسولك، فلا يرضون بالعقد الذي أبرمه، ويعارضونه بشدّة حتّى يأمرهم بالنحر والحلق ثلاث مرّات، فلا يستجيب منهم أحد، ومرّة أخرى يجذبونه من قميصه، ويمنعونه من الصلاة على عبد اللّه بن أبيّ ويقولون له : « إنّ اللّه قد نهاك أن تصلّي على المنافقين »[٢]! وكأنهم يعلّمونه ما نزل إليه، في حين أنّك قلت في قرآنك : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
[١] سورة آل عمران: ٣١.
[٢] أنظر صحيح البخاري باب الجنائز ٢:٦، مسند أحمد ٢:١٨، سنن الترمذي ٤:٣٤٣، سنن النسائي ٤:٣٧، السنن الكبرى للبيهقي ٨:١٩٩، صحيح ابن حبّان ٧:٤٤٧، الاستيعاب ٣:٩٤١.