ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٩
هُوَ﴾[١].
وإذا قال لي قائل بأنّ اللّه تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾[٢]؟
أردّ عليه بسرعة كما علمني علماء السعودية : « الوسيلة هي العمل الصالح »[٣]، والمهّم أنّني عشت تلك الفترة مضطرباً مشوّش الفكر، وقد يتوافد عليّ
[١] سورة القصص: ٨٨.
[٢] سورة المائدة: ٣٥.
[٣] من الأمور التي اختلف فيها الوهابيّة السلفيّة مع غيرهم ـ سواء شيعة أم سنّة أو غيرهم ـ مسألة التوسّل، فقد ذهب الوهابيّة إلى عدم جواز التوسّل بالذوات سواء كانت ذوات أنبياء أو صالحين أو غيرهم، فإنّ الذات ليس لها من الأمر شيء، ولا تختلف ذات عن ذاتٍ حتى يتوسل بأحدهما إلى اللّه دون الأُخرى، فالنبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ كما يقول إبن تيميّة لا تختلف ذاته عن ذات الملحد ـ والعياذ باللّه ـ، وإنّما الاختلاف بالإيمان والتقوى، وعليه فلا يجوز التوسّل والتقرب بنفس الذات إلى اللّه سبحانه وتعالى ما دامت بهذه الحالة.
فعلى ذلك لا يجوز التوسّل بذات النبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ والتقرب بها إلى اللّه تعالى، سواء كان النبيّ حيّاً أو ميّتاً، وسواء كان حاضراً أم غائباً، فضلاً عن التوسّل بذاوات الأولياء والصالحين، الأحياء والأموات، الحاضرين والغائبين.
هذا من جهة.
ومن جانب آخر فإنّ التوسّل اِنّما يصحّ بدعاء الأنبياء والأولياء والصالحين لا بذاتهم، فكُلّ من أراد أن يتوسل بشخص غيره يتوسل بدعائه، بطلب الدعاء منه، سواء كان ذلك المتوسل به نبيّاً أو وليّاً أو صالحاً وقاموا بتأويل كُلّ الآيات والروايات التى تنصّ على توسل بعض الصحابة بالنبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ وببعض الصالحين فى حياته وفى مماته على ضوء ما ينسجم والبيان المتقدّم لهم فى التوسّل.
وخلاصّة كلامهم أنّ التوسّل بالذوات غير جائز مطلقاً، والتوسّل بالدّعاء هو الجائز فقط، وينحصر التوسّل بالعمل وبدعاء الغير.
وعلى ضوء ما تقدّم أخذ السلفية بتقسيم التوسّل إلى عدّة أقسام والإطناب فيه، وخلصوا إلى النتيجة الآنفة، وعطفوا عليها تبديع وتكفير غيرهم من عامّة المسلمين، ممن يتوسّلون بالنبيّ الأكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ حيّاً وميّتاً، بذواتهم المكرّمة عند اللّه سبحانه وتعالى.
وارجع فيما تقدم إلى كتاب التوسّل لابن تيميّة الحرّاني، فإنّه أطنب فى بيان مذهبه وخلص إلى ما تقدم ذكره.
والنظر فيما ذكره ابن تيميّة وأتباعه يحكم علينا أن نرفض طرحه المتقدّم جملة وتفصيلاً، لأنّ ما ذكره مخالف للنصوص الشرعية ومخالف لسيرة الصحابة والسلف الصالح من الأمّة الإسلامية المتّبعة لنبيّها صلّى اللّه عليه وآله، وإن كان السلفية يكفّرون جميع أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله من صوفية وقدرية وشيعة، ويمدحون الخوارج الذين سمّاهم النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكلاب النار؛ لأنّ الطيور على أشكالها تقع، وارجع إلى كتاب كشف الشبهات لمحمّد بن عبد الوهّاب لترى ذلك بأمّ عينيك.
وأمّا النصوص الشرعية فهي: ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير٩: ٣١ عن عثمان ابن حنيف: «أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفّان، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر إليه في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك، فقال: أئت الميضأة فتوضّأ ثُمّ صلِّ ركعتين ثُمّ قل: اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة.
يا محمّد، إنّي أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي، ثُمّ رُحْ حتّى أروح معك.
فانطلق الرجل ففعل ما قال، ثُمّ أتى باب عثمان، فجاء البوّاب فأخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفّان فأجلسه على طنفسته، فقال: ما حاجتك؟
فذكر له حاجته، فقضى له حاجته وقال: ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة.
ثُمّ خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر فى حاجتي ولا يلتفت إلىّ حتّى كلّمته فيّ.
فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكن شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال: إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك!
قال: يا رسول اللّه، إنّه شقّ عليّ ذهاب بصري، وإنّه ليس لي قائد!
فقال: إئت الميضأة فتوضّأ وصلّ ركعتين ثُمّ قل: اللهم إنّي أسألك..
فقال عثمان بن حنيف: ففعل الرجل ما قال، فواللّه ما تفرّقنا ولا طال بنا المجلس حتّى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنّه لم يكن به ضرّ قط»
وقال عقيبه: «والحديث صحيح».
وقال الحافظ تقي الدين السبكي فى شفاء السقام٦١: «إنّ التوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جائز فى كُلّ حال، قبل خلقه، وبعد خلقه في مدّة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدّة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنّة وهو على ثلاثة أنواع:
النوع الأوّل: أن يتوسّل به، بمعنى أنّ طالب الحاجة يسأل اللّه تعالى به أو بجاهه أو ببركته فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة، وقد ورد في كُلّ منها خبر صحيح.
أمّا الحالة الأولى قبل خلقه فيدلّ على ذلك آثار الأنبياء الماضين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين اقتصرنا منها على ما تبيّن لنا صحّته، وهو ما رواه الحاكم أبو عبد اللّه بن البيّع في المستدرك على الصحيحين أو أحدهما قال: أبو سعيد عمرو بن محمّد بن منصور المعدّل ثنا أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد اللّه بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل بن مسلمة أنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: لمّا اعترف آدم عليه السلام بالخطيئة قال: يا ربّ، أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي، فقال اللّه يا آدم، وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟!
قال: يا ربّ، لأنكّ لمّاخلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال اللّه: صدقت يا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمّد ما خلقتك.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أوّل حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
ورواه البيهقي أيضاً في دلائل النبوّة وقال: تفرد به عبد الرحمن، وذكره الطبراني وزاد فيه: «وهو آخر الأنبياء من ذريّتك».
وذكر الحاكم مع هذا الحديث أيضاً عن علي بن حمشاذ العدل، ثنا هارون بن العبّاس الهاشمي، ثنا جندل بن والق، ثنا عمرو بن أوس الأنصاري، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عبّاس قال: أوصى اللّه إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمن بمحمّد وأمر من أدركته من أُمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمّد ما خلقت آدم، ولولاه ما خلقت الجنّة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه: لا إله إلاّ اللّه فسكن.
قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، انتهى ما قاله الحاكم.
والحديث المذكور لم يقف عليه ابن تيميّة بهذا الإسناد، ولا بلغه أنّ الحاكم صحّحه، فإنّه قال ـ أعنى ابن تيميّة ـ أمّا ما ذكروه في قصّة آدم من توسّله فليس له أصل ولا نقله أحد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإسناد يصلح للاعتماد عليه ولا للاعتبار ولا للاستشهاد ثُمّ ادعى ابن تيميّة أنّه كذب. وأطال الكلام في ذلك جدّاً بما لا حاصل تحته بالوهم والتخرّص، ولو بلغه أنّ الحاكم صحّحه لماقال ذلك أو لتعرّض للجواب عن وكأنّى به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رواي الحديث.
ونحن نقول: قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم.
وأيضاً عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يبلغ في الضعف إلى الحدّ الذي ادّعاه، وكيف يحلّ لمسلم أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يردّه عقل ولا شرع، وقد ورد فيه هذا الحديث..».
ثُمّ يقول السبكي: «وأمّا ما ورد من توسّل نوح وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء فذكره المفسّرون واكتفينا عنه بهذا الحديث، بجودته وتصحيح الحاكم له، لا فرق في هذا المعنى بين أن يعبّر عنه بلفظ التوسّل أوالاستغاثة أو التشفّع أو التجوّه.
والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة، دعاءه ومستغيث به.. ومستشفع به ومتجوّه به ومتوجّه، فانّ التجّوه، والتوجّه راجعان إلى معنى واحد».
ذكر طائفة من العلماء الذين صرّحوا بجواز التوسّل:
[١]ـ الإمام أحمد بن حنبل: قال: «في الاستسقاء يتوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دفع شبه التشبيه ١: ١١٥.
[٢]ـ الإمام مالك بن أنس: فقد ذكر في المناظرة التي جرت بينه وبين أبي جعفر المنصور: «ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى اللّه تعالى إلى يوم القيامة» الشفا للقاضي عياض٢:٤١.
[٣]ـ الإمام الشافعى: فقد ذكروا عنه أنّه قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيىء إلى قبره في كُلّ يوم ـ يعنى زائراً ـ، فإذا عرضت في حاجة صلّيت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت اللّه تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عنّي حتّى تقضى» تاريخ بغداد ١: ١٣٥، حاشية رد المختار ١: ٥٩ وأضاف: «أنّ الشافعي صلّى الصبح عند قبره فلم يقنت، فقيل له: لم؟
قال: تأدبّاً مع صاحب هذا القبر».
[٤]ـ ابن مفلح الحنبلي: فقد قال: «ويجوز التوسّل بصالح، وقيل: يستحب» الفروع ١: ٥٩٥.
[٥]ـ البهوتي الحنبلي: فقد قال: «وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسّل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء والمتّقين وقال في المذهّب: يجوز أن يستشفع إلى اللّه برجل صالح، وقيل: يستحب» كشف القناع ٢: ٧٨.
[٦]ـ الشيخ علاء الدين المرادي الحنبلي: قال: «ومنها يجوز التوسّل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب، وقيل يستحب».
ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي: يتوسل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره..» الإنصاف ٢: ٤٥٦.
[٧]ـ إبراهيم الحربي: قال: قبر معروف، الترياق المجرّب» تاريخ بغداد ١: ١٣٤ وعلّق عليه الذهبي في السير ٩: ٣٤٣: «يريد إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستحب عندها الدعاء».
[٨]ـ ابن حبّان البستي: قال في ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: «وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات اللّه على جدّه وعليه ودعوت اللّه اِزالتها عنّي إلا استجيب لي وزالت عنّي تلك الشدّة».
وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك» الثقات ٨: ٤٥٧.
[٩]ـ أبو علي الخلاّل قال: «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل اللّه تعالى لي ما أحبّ» تاريخ بغداد ١: ١٣٢.
[١١]ـ الفقيه أبو الحسين عبد اللّه بن محمّد: قال: «ما وقعت في ورطة قط، ولا عرض لي أمر مهم فقصدت قبر أبي الوليد وتوسّلت به إلى اللّه عزّ وجلّ إلاّ استجاب لي» الأنساب للسمعاني ٤: ٤٧١.
[١٢]ـ السمعاني صاحب الأنساب: قال في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني: «والناس يتبركون به ويزورونه، ويستجاب عنده الدعوة، زرت قبره، بإسفرايين..» الأنساب ١: ١٤٤.
إلى غير ذلك من الكلمات الكثيرة المصرّحة بالقول والفعل بجواز التوسّل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وزيارة قبره والدعاء عنده، وأنّه باب اللّه الذي منه يؤتى، وبالتوجّه به يتقبل اللّه الأعمال والدعوات فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأهل بيته والصالحين يجوز التوسّل بهم والتقرب إلى اللّه تعالى بحبّهم.