ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٦٢
وفي هذه الحادثة تعدّوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه (صلي الله عليه و آله وسلم) بالهجر والهذيان ـ والعياذ باللّه ـ، ثمّ أكثروا اللغط والاختلاف، وصارت معركة كلامية بحضرته.
وأكاد أعتقد بأنّ الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) عدم الجدوى في كتابة الكتاب، لأنّه علم بأنّهم لن يحترموه، ولم يمتثلوا لأمر اللّه فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته، وإذا كانوا لأمر اللّه عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين[١].
واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لأنّه طعن فيه في حياته، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته، وسيقول الطاعنون : بأنّه هَجْرٌ من القول، ولربّما سيشكّكون في بعض الأحكام التي عقدها رسول اللّه في مرض موته، إذ إنّ اعتقادهم بهجره ثابت.
أستغفر اللّه وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم، وكيف لي أن
[١] ويظهر من بعض الروايات أنّ رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) كان يكرّر ذلك الطلب، ففي رواية
ابن عباس أنّه كان يوم الخميس أي قبل وفاته (صلي الله عليه و آله وسلم) بعدة أيّام، وفي رواية جابر كما في مجمع الزوائد للهيثمي ٤: ٢١٤: «إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب...» وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى... ورجال الجميع رجال الصحيح، وفيه أيضا ٩: ٣٣٣ عن عمر بن الخطّاب انّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) كرّر طلبه بإحضار الكتاب مرّتين، وفي لفظ الطبراني في المعجم الكبير ١١: ٣٠ عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم): ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابا لا يختلف فيه رجلان، قال: فأبطأوا بالكتف والدواة فقبضه اللّه». وفي لفظ ابن سعد في الطبقات ٢: ٢٤٤ «فقالت زينب زوج النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): ألا تسمعون النبي يعهد إليكم؟ فلغطوا، فقال: قوموا، فلمّا قاموا قبض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مكانه».