ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٤٧
سبحان اللّه! أنا لا أكاد أصدّق ما أقرأ، وهل يصل الأمر بالصحابة لهذه الحدّ في التعامل مع أمر الرسول، ولو كانت هذه القصّة مروية من طريق الشيعة وحدهم لعددتُ ما قالوا افتراء على الصحابة الكرام، ولكن القصّة بلغت من الصحّة والشهرة أن تناقلها كُلّ المحدّثين من أهل السنّة والجماعة أيضا، وبما أنّني ألزمت نفسي توثيق ما اتّفقوا عليه، فلا أراني إلاّ مسلّما ومتحيّرا : ماذا عساني أن أقول؟ وبماذا أعتذر عن هؤلاء الصحابة الذين قضوا مع رسول اللّه قرابة عشرين عاما من البعثة إلى يوم الحديبية، وهم يشاهدون المعجزات وأنوار النبوّة؟ والقرآن يعلّمهم ليلاً ونهارا كيف يتأدّبون مع حضرة الرسول وكيف يكلّموه، حتّى هدّدهم اللّه بإحباط أعمالهم إن رفعوا أصواتهم فوق صوته.
ويدفعني إلى الاحتمال بأنّ عمر بن الخطّاب هو الذي أثار بقيّة الحاضرين، ودفعهم إلى التردّد والتخلّف عن أمر الرسول ـ زيادة على اعترافه بأنّه عمل لذلك أعمالاً لم يشأ ذكرها ـ ما يردّده هو في موارد أُخرى قائلاً : ما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به... إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية[١].
[١] مسند أحمد ٤:٣٢٥، تاريخ الطبري ٢:٢٨٠، البداية والنهاية ٤:١٩٢، عيون الأثر ٢:١٢٠، السيرة النبويّة لابن كثير ٣:٣٢٠، السيرة الحلبية ٢: ٧٠٦.
قد يقول بعض إخواننا أهل السنة: سلّمنا انّ الصحابة فعلوا ما فعلوا لكنّ اللّه تعالى أنزل بعد انصرافهم من الحديبية سورة الفتح وجاء فيها قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...» فاللّه تعالى رضي عنهم وغفر لهم.
نقول في الجواب:
أولاً: هذه الآية ليست ناظرة إلى ما فعلوا من المخالفة لأمر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)والتشكيك في صحّة كلامه، بل إنّها ناظرة إلى قضيّة البيعة التي حصلت تحت الشجرة لما وصل إلى النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أنّ مشركي مكة قبضوا على عثمان ومن كان معه، فبايعوا النبي على الموت أو على أن لا يفرّوا، وقضية الصلح وشكّ عمر واعتراضه جاءت متأخرة عنها.
ثانيا: لقد قال تعالى في سورة الفتح قبل هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً» فاشترط تعالى في الأجر والرضى الوفاء وعدم النكث. وفي الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٤ وفتح القدير للشوكاني ٥: ٥٢: «وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «لقد رضي اللّه... فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم قال: انّما نزلت السكينة على من علم منه الوفاء».
إذا فالآية مقيّدة وليست مطلقة.
ثالثا: إنّي أعتقد أنّ اللّه تعالى قد غفر تلك الزلّة للصحابة المؤمنين الذين علم منهم الوفاء، ورضي عنهم، لكن لا ينقضي عجبي من قول عمر بن الخطّاب: «مازلت أصوم وأتصدّق...» فإذا كان في قضية الصلح غير مطمئن لقول النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لمّا اعترض عليه، واطمأنّ بقول أبي بكر لما أعاد عليه نفس جواب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، لا أدري لماذا لا يطمئن ولا يسكن لقول اللّه تعالى حيث وعد أهل الحديبية بالجنة والرضوان؟! هل لكونه لم يكن من المبايعين تحت الشجرة؟! او لشكّه في شمول كلمة: «المؤمنين» في الآية له؟! أو لأنّه عندما صدرت هذه الجملة من عنده افتقد أبا بكر ليرشده وينزل السكينة والأمان على روعه، ويقول له: إنّ اللّه قد رضي عنك فلا داعي لهذا التعب والعناء، كما أرشده في صلح الحديبية وبعدما قُبض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وفي مواطن أُخر؟!!