ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٢٠
تنجيسه، فأسلم الأعرابي ولم يُر بعد ذلك إلاّ وهو آت المسجد في أحسن ثيابه وأطهرها[١]، وصدق اللّه العظيم إذ يقول لرسوله : ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾[٢].
وتأثّر بعض الحاضرين عند سماع القصّة، فاختلى بي أحدهم إلى جانب وسألني : من أين أنت؟
قلت : من تونس، فسلّم عليّ وقال : يا أخي باللّه عليك أن تحفظ نفسك ولا تتكلّم مثل هذا هنا أبدا، أنصحك لوجه اللّه.
وازددت بغضا وحنقا على هؤلاء الذين يدّعون أنّهم حماة الحرمين، ويعاملون ضيوف الرحمن بهذه القسوة، ولا يقدر أحد أن يبدي رأيه أو يروي أحاديث لا تتفق وما يروونه، أو يعتقد غير ما يعتقدونه.
رجعت إلى بيت الصديق الجديد الذي لم أعرف اسمه، وقد جاءني بالعشاء وجلس مقابلي، وقبل أن نبدأ في الأكل سألني أين ذهبت، ورويت له قصّتي من أوّلها إلى آخرها، وقلت في معرض كلامي : يا أخي، أنا بصراحة بدأت أنفر من الوهابيّة وأميل إلى الشيعة، فتغيّر وجهه وقال لي : إيّاك أن تتكلّم مثل هذا الكلام مرّة أخرى! وغادرني ولم يأكل معي، وانتظرته طويلاً حتّى غلبني النوم.
وأفقت باكرا على أذان المسجد النبوي، فرأيت أن الأكل لا يزال في مكانه كما تركته، وعلمت بأنّ مضيفي لم يرجع، وتشككت في أمره وخشيت أن يكون من
[١] وردت بألفاظ وأسانيد مختلفة، راجع سنن النسائي ١: ٤٧، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٢٨، مسند أحمد ٢: ٢٣٩، ٢٨٢، سنن أبي داود ١: ٩٤، كنز العمال ٩: ٣٤٨.
[٢] سورة آل عمران: ١٥٩.