ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢١
غير استعداد منّي، وأذكر أنّ والدي عندما رأى تذاكر الطائرة وتيقّن من سفري إلى الحجّ بكى وهو يقبّلني مودّعا قائلاً : « هنيئاً لك يا بني لقد أراد اللّه لك أن تحجّ قبلي وأنت في هذه السنّ، فأنت ولد سيّدي أحمد التيجاني، أدع اللّه لي في بيته أن يتوب عليّ، ويرزقني الحجّ إلى بيته الحرام ».
لذلك ظننت أنّ اللّه هو الذي ناداني وأحاطني بعنايته، وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت الأنفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء، فمن أحقّ بالتلبية منّي، فكنت أبالغ في الطواف والصلاة والسعي وحتّى في شرب ماء زمزم، والصعود إلى الجبال حيث تتسابق الوفود للوصول إلى غار حراء فوق جبل النور، فلم يسبقني إليه غير شابّ سوداني فكنت « ثاني اثنين »، وتمرّغت فيه وكأنّي أتمرّغ في حجر الرسول الأكرم وأشمّ أنفاسه.. يا لها من صور وذكريات تركت في نفسي أثرا عميقاً سوف لن يمحى أبدا!
عناية ربّانية أُخرى جعلت كُلّ من يراني من الوفود يحبّني ويطلب عنواني للمراسلة، وقد أحبّني رفاقي الذين احتقروني في أوّل لقاء جمعنا في تونس العاصمة لترتيب السفر، وأحسست ذلك منهم، وصبرت لعلمي مسبقا بأنّ أهل الشمال يحتقرون أهل الجنوب ويعتبرونهم متخلّفين، وسرعان ما تغيّرت نظرتهم خلال السّفر والمؤتمر والحجّ، وقد بيّضت وجوههم أمام الوفود بما كنت أحفظه من أشعار وقصائد، وبما أحرزته من جوائز في المسابقات التي أُقيمت بالمناسبة، وقد عدتُ إلى بلادي ومعي أكثر من عشرين عنوانا لأصدقاء من مختلف الجنسيّات.
كانت إقامتنا في السعودية خمسة وعشرين يوما، كنّا نلتقي فيها بعلماء ونستمع إليهم في محاضراتهم، وقد تأثّرت ببعض المعتقدات الوهابيّة التي أعجبت بها، وتمنّيت أن يكون المسلمون عليها، وظننت في تلك الفترة بأنّ اللّه اصطفاهم من بين العباد لحراسة بيته الحرام، فهم أطهر وأعلم خلق اللّه على وجه الأرض، وقد أغناهم اللّه