ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٠٢
يهودا ونصارى ومسلمين، واختلف اليهود فيما بينهم إلى إحدى وسبعين فرقة، واختلف النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، واختلف المسلمون إلى ثلاث وسبعين فرقة، وكُلّهم في الضّلالة حسبما أخبر بذلك ابنك محمّد، وفرقة واحدة بقيت على عهدك يا أبتاه!
أهي سنّة اللّه في خلقه كما يقول القدرية، فاللّه سبحانه هو الذي كتب على كلّ نفس أن تكون يهودية، أو نصرانية، أو مسلمة، أو ملحدة، أو مشركة، أم أنّه حبّ الدنيا والابتعاد عن تعاليمه سبحانه، ذلك بأنّهم نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم؟ إنّ عقلي لا يطاوعني بتصديق أن القضاء والقدر هما اللذان حتّما مصير الإنسان، بل أميل وأكاد أجزم بأنّ اللّه سبحانه خلقنا وهدانا وألهمنا الفجور والتقوى، وأرسل إلينا رسله ليوضحوا لنا ما أشكل علينا ويعرفوننا الحقّ من الباطل، ولكنّ الإنسان غرّته الحياة الدنيا وزينتها.
الإنسان بأنانيّته وكبريائه، بجهله وفضوله، بعناده ولجاجته، بظلمه وطغيانه مال عن الحقّ واتّبع الشيطان، وابتعد عن الرحمن فورد غير مورده، وأكل غير مأكله، وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك أحسن تعبير وأوجزه بقوله تعالى : ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[١].
يا أبانا إبراهيم، لا لوم على اليهود والنصارى الذين عاندوا الحقّ بغيا بينهم لمّا جاءتهم البيّنة، فها هي الأمّة التي أنقذها اللّه بولدك محمّد، وأخرجها من الظلمات إلى النور، وجعلها خير أُمّة أخرجت للنّاس، فهي الأخرى اختلفت وتفرّقت وكفّر بعضها بعضا، وقد حذّرهم رسول اللّه ونبّههم إلى ذلك، وضيّق عليهم حتّى قال : « لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث »[٢].
[١] سورة يونس: ٤٤.
[٢] مسند أحمد ٤: ٣٢٧، صحيح البخاري ٧: ٩٠٠ كتاب الأدب، باب ٦١، صحيح مسلم ٨: ٨، كتاب البر والصلة، باب النهي عن التحاسد، صحيح ابن حبّان ١٢: ٤٧٩، سنن ابن ماجة ١: ١٨، سنن أبي داود ٢: ٤٥٨، سنن الترمذي ٣: ٢٥٢، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٦٢، مجمع الزوائد ٨: ٦٦، وغيرها من المصادر.