ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ١٥٤
فقال له السيّد شرف الدين عندئذ : أيّها الملك لماذا تقبّل الجلد وتعظّمه وهو جلد ماعز؟
أجاب الملك، أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد!
فقال السيّد شرف الدين عند ذلك : أحسنت أيّها الملك، فكذلك نفعل نحن عندما نقبّل شبّاك الحجرة النبويّة أو بابها، فنحن نعلم أنّه حديد لا يضرّ ولا ينفع، ولكنّنا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الأخشاب، نحن نقصد بذلك تعظيم رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلّفه.
فكبّر الحاضرون إعجابا له وقالوا : صدقت، واضطر الملك وقتها إلى السّماح للحجّاج أن يتبرّكوا بآثار الرسول حتّى جاء الذي بعده فعاد إلى القرار الأوّل[١].
[١] حاول بعض السلفية الإجابة على هذه الشبهة فقال: «ثُمّ لو قلنا بجواز تقبيل
المصحف فإنّه قياس مع الفارق لأنّ تعظيم المصحف الذي يحوي كلام اللّه ـ الذي هو صفة من صفاته ـ لا يؤدّي بالتالي إلاّ إلى تعظيم اللّه فلا يخاف على صاحبه من ذريعة الشرك، بخلاف تعظيم قبر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) واعطائه بعض صفات الربّ..» كشف الجاني: ٦٨.
وفي هذا الكلام مفارقات واضحة حيث ذكر فيه أنّ المصحف هو كلام اللّه تعالى، مع أنّ المصحف ليس كلام اللّه تعالى وإنمّا مكتوب فيه كلام اللّه تعالى، فحاول طيّ المسألة. والمغالطة فيها إمّا لسوء فهم أو عن نيّة، فإنّ الفرق بين الأمرين واضح حيث إنّ المصحف دوّن فيه الكلام الذي أنزل على النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وأمّا أنّه كلام اللّه فإطلاق مجازي.
مضافاً إلى أن تقبيل المصحف هو تقبيل للجلد وليس للصفحات التي كتب فيها كلام اللّه تعالى، فيعود الإشكال جذعاً، وهو كيف جاز لك تقبيل جلد المصحف ولم تجعله ذريعة إلى الشرك، أو من الأمور المنهي عنها ولا تجوّز تقبيل القبر وتجعله ذريعة إلى الشرك، لأنّ الأمر الذي ذكره للتفريق بينهما غير فارق، فما دام هذا جماد وهذا جماد فلا يجوز تقبيلهما لأنّهما ذريعة إلى الشرك.
وإن كان الأمر بالتفريق الذي ذكره فهو غير صحيح، لأنّ تقبيل قبرّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)ليس علّة منحصرة أو ذريعة واضحة إلى الشرك وإنّما هو تكريم واحترام للنبي (صلي الله عليه و آله وسلم)الذي يجب على كلّ حال سواء أكان حيّاً أم ميّتاً.
والتقدير والاحترام غير إشراكه في صفة من صفات اللّه تعالى، ولذلك تجد العلماء لم يفرقوا بين الأمرين قال ابن حجر في فتح الباري ٣: ٣٨: «استنبط بعضهم من مشروعيّة تقبيل الأركان جواز تقبيل كلّ من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، فأمّا تقبيل يد الآدمي فآتي في كتاب الأدب، وأمّا غيره فنقل عن الإمام أحمد أنّه سئل عن تقبيل منبر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وتقبيل قبره؟ فلم ير به بأساً.
واستبعد بعض أتباعه صحّة ذلك.
ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني ـ أحد علماء مكّة من الشافعية ـ جواز تقبيل المصحف وإجزاء الحديث وقبور الصالحين..».
وقال العيني في عمدة القاريء ٩: ٢٤١: «وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنّية، وقد سأل أبو هريرة الحسن ـ رضي اللّه تعالى عنه ـ أنّ يكشف له المكان الذي قبّله فيه رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)، وهو سرّته، فقبّله تبركاً بآثاره وذريته (صلي الله عليه و آله وسلم)، وقد كان ثابت البناني لا يدع يدّ أنساً ـ رضي اللّه تعالى عنه ـ حتّى يقبّلها ويقول: يد مسّت يد رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم).
وقال أيضاً: وأخبرني الحافظ أبو سعيد العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفّاظ أنّ الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وتقبيل منبره؟
فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيميّة، فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت أحمد عندي جليل يقوله؟ هذا كلامه أو معنى كلامه.
وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسل به.
وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة؟
وكيف بآثار الأنبياء ـ عليهم الصّلاة والسّلام ـ؟ ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول:
| أمر على الديار ديار ليلى | أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا |