ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٥٠
وكلّ واحد يريد الدخول قبل غيره، وكثر الصياح والهرج، وإذا بالشيعي يمسك بثوبي ليسحبني بلطف إلى الخلف وهو يقول : تعال يا أخي لا تتعب نفسك، فسوف نأكل فيما بعد بدون زحمة، وقد فتشت عنك في كلّ مكان، ثمّ سألني : هل صليت؟
قلت : لم أصلّ بعد.
فقال : إذا تعال نصلي ثُمّ نأتي للأكل، وقد خلص هؤلاء من الزّحام والصياح.
استحسنت رأيه وصاحبته إلى مكان خال من الناس حيث توضّأت وقدّمته ليصلّي إماما قصد اختباره كيف يصلّي على أن أعيد صلاتي فيما بعد، وما إن أقام الصلاة لأداء فريضة المغرب واسترسل في القراءة والدّعاء حتّى غيرت رأيي، وتخيّلت بأنّي مأمومٌ بأحد الصحابة الكرام الذين أقرأ عنهم وعن ورعهم وتقواهم، وبعد فراغه من الصلاة، أطال الدعاء ولم أسمع قبلاً هذه الأدعية في بلادنا ولا في البلاد التي عرفتها، وكنت أطمئنّ وأرتاح كلّما سمعته يصلّي على محمّد وآله ويثني عليه بما هو أهله.
بعد الصلاة لاحظت في عينيه أثر البكاء كما سمعته يدعو اللّه أن يفتح بصيرتي ويهديني .
اتجهنا إلى المطعم وقد بدأ يخلو من الآكلين، ودخلنا فلم يجلس حتّى أجلسني وجيء لنا بصحنين من الأكل، فرأيته يغيّر صحنه بصحني لأنّ نصيبي من اللحم كان أقلّ من نصيبه، وأخذ يلحّ عليّ وكأنّي ضيفه، ويلاطفني ويروي لي روايات لم أسمعهامن قبل تخصّ الأكل والشرب وآداب المائدة.
وأعجبت بأخلاقه، وصلّى بنا صلاة العشاء[١] وأطالها بالدّعاء حتّى أبكاني
[١] ذكر عثمان الخميس في كشف الجاني: ٥٠ أنّ الشيعة عندها أوقات الصلاة ثلاثة، وعليه فإمّا أن يكون التيجاني كاذباً في كلامه، أو أن منعماً استخدم التقية مع التيجاني ففصل بين صلاة المغرب والعشاء!!
وهذا الكلام ينمّ عن جهل عثمان الخميس بالمذهب الشيعي؛ لأنّ الشيعة تجوّز الجمع بين الصلاتين والفصل بينهما، ولا توجب الجمع بين الصلاتين، وعلى هذا فمنعم عندما فصل بين الصلاتين لم يستخدم التقية، وإنّما فعل فعلاً جائزاً، بل مستحبّاً؛ لأنّ الفصل بين الصلاتين مستحبّ في المذهب الشيعي، وإليك كلمات العلماء في ذلك:
قال الشيخ النائيني في كتابه الصلاة ٢: ٢٣: «ثُمّ إنّ الجمع بين الصلاتين تارةً يكون أفضل من التفريق كما في يوم الجمعة وعرفة بالنسبة إلى الظهرين، والمزدلفة بالنسبة إلى العشائين، غايته أنّ في يوم الجمعة ويوم عرفة يستحب فعل الثانية في وقت الأولى، وفي المزدلفة يستحب فعل الأولى وهي المغرب في وقت الثانية.
وأُخرى يكون التفريق أفضل كما في سائر الأيّام إذ يستحبّ تفريق الصلوات على أوقاتها..».
وقال السيّد شرف الدين في كتابه مسائل فقهية: ٩: «الجمع بين الصلاتين: لا خلاف بين أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلّها في جواز الجمع بعرفة وقت الظهرين الفريضتين الظهر والعصر. وهذا في اصطلاحهم جمع تقديم. كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين الفريضتين المغرب والعشاء.
ومحل النزاع هنا إنّما هو في جواز الجمع بين الفريضتين بأدائهما معاً في وقت أحدهما تقديماً على نحو الجمع بعرفة، أو تأخير على نحو الجمع بالمزدلفة.
وقد صدع الأئمّة من آل محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم) بجوازه مطلقاً، غير أنّ التفريق أفضل، وتبعهم في هذا شيعتهم في كُلّ عصر ومصر».
وقال السيد الحكيم في المستمسك ٥: ٩٦: «في الذكرى: إنّه كما من مذهب الإماميّة جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً، علم منه استحباب التفريق بينهما».
وقال السيّد الخوئي في كتاب الصلاة ١: ٣٢١: «والمتحصل إلى هنا أنّه لم يدلّنا أي دليل على المنع عن الجمع بين الصلاتين جمعاً تكويناً خارجياً، أعني مجرد الاتصال بينهما، وإن كان استحباب التفرقة بين الصلاتين هو المشهور عند الأصحاب».
وقال السيّد كاظم اليزدي في العروة ٢: ٢٦١: «مسألة ٧: يستحبّ التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كالظهرين والعشائين..».
وقال الشيخ كاشف الغطاء في كشف الغطاء ١: ٢٢٣: «يستحبّ التفريق بين الظهرين والعشائين..».
وقال الشيخ محمّد أمين زين الدين في كتابه كلمة التقوى ١: ٢٩٥: «المسألة ٢١: يستحب التفريق بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء...».
إلى غير ذلك من الكلمات المشهورة على ألسنة فقهاء الشيعة.
ومن هذا وغيره تستغرب من عثمان الخميس وأمثاله عندما يأتي ويناقش مذهباً من المذاهب ويشوّه صورته، ويلفّق عليه التهم والأباطيل، وهو لا يفهم شيئاً من ذلك المذهب ولم يعرفه حقّ المعرفه كما رأيته هنا، فلم يفرق بين جواز الجمع بين الصلاتين وبين وجوب الجمع بينهما؛ فالمذهب الشيعي قائل بالأوّل، وهو جواز الجمع لا وجوب الجمع، فلا موطن للتقية ليستخدمها منعم مع التيجاني.