ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٤٩
فرحت كثيرا بهذا العرض، ووعدت صاحبي بأن أرد عليه الجواب غدا إن شاء اللّه تعالى.
خرجت من غرقة النوم وصعدت إلى سطح الباخرة أتنفس الهواء الجديد، وأنا أفكّر تفكيرا جديدا، وعقلي شارد في البحر الذي ملأ الآفاق، وأسبّح بحمد ربّي الذي خلق الأكوان، وأحمده وأشكره على أن أوصلني إلى هذا المكان، وأسأله سبحانه وتعالى أن يحميني من الشرّ وأهله، ويحفظني من الزلل والخطأ.
وسرح تفكيري وأنا أستعرض شريطا أمام عينيّ للأحداث التي عشتها، والسعادة التي تذوقتها من طفولتي إلى ذلك اليوم، وأحلم بمستقبل أفضل، وأشعركأنّ اللّه ورسوله يحيطانني بعناية خاصّة، فالتفتّ صوب مصر التي ما زالت بعض شواطئها تتراءى من حين لآخر، مودّعا تلك الأرض التي فيها قبّلت قميص رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)، وهي أعزّ ما بقي عندي من تلك الذكريات التي عشتها في مصر، وعدت أستعرض كلام الشيعي الجديد الذي أدخل عليّ فرحا كبيرا لتحقيق حلم كان يراودني منذ صغري ألا وهو زيارة العراق، تلك البلاد التي رسمها في ذهني بلاط الرشيد والمأمون مؤسّس دار الحكمة التي كان يقصدها طلاب العلوم المختلفة من الغرب أيّام ازدهار الحضارة الإسلامية.
أضف إلى ذلك فهي بلاد القطب الربّاني والشيخ الصمداني سيدي عبد القادر الجيلاني، الذي ملأ صيته الأقطار كُلّها، ودخلت طريقته كلّ قرية، وعلت همّته كلّ همّة، فها هي عناية جديدة من اللّه لتحقيق هذا الحلم.. وبدأت أتخيّل وأسبح في بحر الخيال والآمال حتّى أيقظني مذياع الباخرة وهو ينادي المسافرين إلى التوجّه للمطعم لتناول العشاء.
ذهبت صوب المكان المذكور فإذا الناس يتزاحمون كعادتهم في كلّ تجمّع،