ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٤٧١
تحدثون بعدي » [١] ! فهذا معقول جداً، وقد قرّر ذلك القرآن الكريم، والتاريخ يشهد أنّهم بدّلوا بعده، ولذلك بكى أبو بكر، وقد بدّل وأغضب فاطمة الزهراء بنت الرسول ـ كما سبق ـ ، وقد بدّل حتّى ندم قبل وفاته وتمنّى أن لا يكون بشراً.
أمّا الحديث الذي يقول : « لو وزن إيمان أبي بكر مع إيمان جميع الخلق لرجح إيمان أبي بكر » فهو باطل وغير معقول، ولا يمكن أن يكون رجل قضى أربعين سنة من عمره يشرك بالله ويعبد الأصنام أرجح إيماناً من أمة محمّد بأسرها، وفيها أولياء الله الصالحين والشهداء، والأئمّة الذين قضوا أعمارهم كلّها جهاداً في سبيل الله.
ثُمّ أين أبو بكر من هذا الحديث؟ لو كان صحيحاً لما كان في آخر حياته يتمنّى أن لا يكون بشراً [٢] .
[١] موطّأ مالك ٢:٤٦٢، المصنّف للصنعاني ٣:٥٤١، الاستذكار ٥:١٠٤ الإكمال في أسماء الرجال: ١٩.
[٢] يؤثر عن أبي بكر أمنيات كثيرة نذكر منها ما قدرنا عليه.
أ ـ في مصنّف ابن أبي شيبة ٨:١٤٤ بسنده عن الضحاك قال: «رأى أبو بكر طيراً واقعاً على شجرة فقال: طوبى لك يا طير، والله لوددت أني كنت مثلك، تقع على الشجرة، وتأكل من الثمرة، ثُمّ تطير وليس عليك حساب ولا عذاب، والله لوددت إنّي كنت شجرة إلى جانب الطريق مرّ عليّ جمل فأدخلني في فيه فلاكني ثُمّ أخرجني بعراً ولم أكن بشراً».
ب ـ في كنز العمال ١٢:٥٢٩ عن الضحاك قال: «قال أبو بكر الصدّيق ونظر إلى عصفور: طوبى لك يا عصفور، تأكل من الثمار، وتطير في الأشجار، لا حساب عليك ولا عذاب والله لوددت أني كبش يسمّنّي أهلي، فإذا كنت أعظم ما كنت وأسمنه يذبحوني فيجعلوني بعضي شواء وبعضي قديداً، ثُمّ أكلوني ثُمّ ألقوني عذرة في الحشّ، وإني لم أكن خلقت بشراً» .
ج ـ وفي كنز العمال ١٢:٢٨ عن أبي بكر قال: «وددت أنّي شعرة في جنب عبد مؤمن».
د ـ وفي الطبقات الكبرى ٣:١٩٨ بسنده عن قتادة قال: «بلغني أنّ أبا بكر قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب».
إلى غير ذلك من أماني أبي بكر التي لا تعدّ ولا تحصى .
والإنسان ـ مهما كان ـ إذا كان عارفاً بالقدر الإنساني، وبعظمة الكيان الربّاني المتجسّد في الهيكل الناسوتي لا يمكنه تمنّي أن يكون عذرة أو كبشاً أو طيراً، لكن أبا بكر تمنّى فهنيئاً له!