ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٨٣
وقال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه » [١] .
[١] هذا الحديث من الأحاديث المتواترة كما صرّح بذلك جمع من علماء أهل السنّة، وللحديث زيادات في الألفاظ كقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)«أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، أو قوله: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله»، وغير ذلك.. ونحن هنا نورد طرق الأحاديث لإثبات صحّته مع الزيادات التي ذكرت فيها:
أخرج النسائي في الخصائص: ٧١ ـ ٧٢ بسنده إلى زيد بن أرقم قال: «لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: «كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض»، ثمّ قال: «إنّ الله مولاي وأنا وليّ كُلّ مؤمن»، ثمّ أخذ بيد علي فقال: «من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه».
فقلت لزيد: سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه وسمعه بأذنيه».
وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣:١٠٩. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه بطوله».
واخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ٥: ٢٨٨ وقال: «قال شيخنا أبو عبدالله الذهبي: وهذا حديث صحيح».
وعن أبي الطفيل (عامر بن واثلة) قال: «جمع علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ الناس في الرّحبة ثُمّ قال لهم: أنشد الله كلّ امريء مسلم سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام؟
فقام ثلاثون من الناس ـ وفي رواية: فقام ناس كثير ـ، فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: نعم يا رسول الله.قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه.
قال: ] يعني أبو الطفيل [ فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّي سمعت عليّاً(رضي الله عنه) يقول: كذا وكذا؟
قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول ذلك»
وقد أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده ٤: ٣٧٠، وابن حبّان في صحيحه ١٥:٣٧٦، والهيثمي في موارد الضمآن: ٥٤٤.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٠٤: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر ابن خليفة وهو ثقة».
وقال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٣١ ح ١٧٥٠: «وإسناده صحيح على شرط البخاري».
وقال الشيخ آل الزهوي محقّق خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) ص ٨٢ : «إسناده صحيح».
وعن رباح بن الحارث قال: «جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا السلام عليك يا مولانا!
قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرباً؟!
قالوا: سمعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يوم غدير خمّ يقول: من كنت مولاه فإنّ هذا مولاه.
قال رباح: فلمّا مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟
قالوا: نفر من الأنصار، فيهم أبو أيوب الأنصاري».
أخرجه أحمد في مسنده ٥: ٤١٩، والطبراني في الكبير ٤: ١٧٤، والهيثمي في المجمع ٩: ١٠٤ وقال: «رواه أحمد والطبراني.. ورجال أحمد ثقات».
وقال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٤٠ ح: «وهذا إسناد جيّد رجاله ثقات».
ولهذا الحديث تكملة ذكرها الحافظ الثقة إبراهيم بن ديزيل في كتابه وقعة صفّين فقال: «حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي، قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن رباح بن الحارث النخعي، قال: كنت جالساً عند علي(عليه السلام) إذ قدم عليه قوم متلثّمون، فقالوا: السلام عليك يا مولانا؟
فقال لهم: أولستم قوماً عرباً؟
قالوا: بلى، ولكنّا سمعنا رسول الله صلى الله وسلم يقول يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله».
قال: فلقد رأيت عليّاً(عليه السلام) ضحك حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: اشهدوا.
ثمّ إنّ القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم: من القوم؟
قالوا: نحن رهط الأنصار، وذاك ـ يعنون رجلاً منهم ـ أبو أيوب، صاحب منزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فأتيته فصافحته» نقل هذا الحديث عن كتاب إبراهيم بن ديزيل، ابن أبي الحديد في شرح النهج ٣: ٢٠٨.
وسند هذا الحديث صحيح وإليك تفصيل الكلام في رواته:
[١]ـ إبراهيم بن ديزيل: قال عنه الذهبي في السير ١٣: ١٨٤ ـ ١٨٨: «الإمام الحافظ الثقة العابد»، و«قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبي، سمعت علي بن عيسى يقول: إنّ الإسناد الذي يأتي به إبراهيم لو كان فيه ان لا يؤكل الخبز لوجب ان لا يؤكل لصحة إسناده».
[٢]ـ يحيى بن سليمان الجعفي: قال عنه الذهبي في الكاشف ٣: ٢٤٤: «صويلح».
وقد وثّقه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤: ١٩٤ باعتباره من رجال البخاري الذي أخرج لهم.
[٣]ـ محمّد بن فضيل: وثّقه الذهبي في الكاشف ١: ١٧٥، وقال عنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢: ٨٩ : «هو ثقة من رجال الشيخين».
[٤]ـ الحسن بن الحكم النخعي ورباح بن الحارث النخعي: قال عنه أبو حاتم: «صالح الحديث» الكاشف ١: ١٧٥، ووثقه الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٢٤٦.
فالحديث صحيح.
فحديث الغدير له طرق عديدة، وبعض فقراته متواتره كما صرّح بذلك جمع من أعلام السنّة.
قال الذهبي في السير ٨ : ٣٣٥ معقّباً على أحد طرقه: «هذا حديث حسن عال جدّاً، ومتنه متواتر».
وقال شمس الدين الجزري في كتابه أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب: ٤٨ عقيب أحد طرقه: «هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين علي، وهو متواتر ـ أيضاً ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممّن لا اطّلاع له في هذا العلم..».
وقال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٤٣ ـ ٣٤٤ ح ١٧٥٠ عقيب ذكر الحديث: «وجملة القول: إنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأوّل منه متواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية.
إذا عرفت هذا فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته أننّي رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعف الشطر الأوّل من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنّه كذب.
وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها».
وقال الداني بن منير آل الزهوي في تحقيقه لخصائص أمير المؤمنين: ٧٨: «فحديث الموالاة حديث صحيح ثابت، بل هو متواتر كما قال الألباني في الصحيحة ٤/٣٤٣.
أمّا قول ابن تيمية في المنهاج ٤/١٠٤: «إنّه كذب مخالف للقواعد الحديثيّة» فهو مردود عليه».
ولابأس بالإشارة إلى النقص في التحقيق الذي وقع فيه الشيخ الألباني في هذا الحديث، فهو بعد أن صحّح الحديث وردّ على ابن تيمية تكذيبه له قال: «قوله: «وانصر من نصره واخذل من خذله» ففي ثبوته عندي وقفة لعدم ورود ما يجبر ضعفه، وكأنّه رواية بالمعنى للشطر الآخر من الحديث: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه».
ومثله قول عمر لعلي« أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة» لا يصحّ ـ أيضاً ـ لتفرّد علي بن زيد به كما تقدّم» سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٤٤.
فهذا الكلام ناشيء من قلّة الاطّلاع وعدم تتبع المصادر التي ذكرت هذا الحديث، وإلاّ فقد وردت هذه الزيادة في كتاب صفّين لابن ديزيل، ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج كما تقدم.
ووردت هذه الزيادة في طرق أُخرى منها ما نقله الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٠٥ بسنده إلى عمرو بن ذي مرّة وسعيد بن وهب وزيد بن يثيع قالوا: «سمعنا عليّاً يقول: نشدت الله رجلاً سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول يوم غدير خمّ لما قام؟ فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من يبغضه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله».
وعقّب الهيثمي عليه بقوله: «رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة».
وأما مقولة عمر لعلي(عليه السلام) فلم يتفرّد بها علي بن زيد كما ذكر الشيخ الألباني، بل رواها غيره ـ أيضاً ـ، قال ابن كثير في البداية والنهاية ٥: ٢٢٩: «قال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان، ثنا هدية، ثنا حمّاد بن سلمة، عن علي ابن زيد وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء. وذكر الحديث والذي فيه: «فلقيه عمر بن الخطّاب فقال: هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كُلّ مؤمن ومؤمنة».
وأخرجه الخطيب في تاريخه ٨ : ٢٨٤ بسنده إلى أبي هريرة قال: «فقال عمر بن الخطّاب: بخّ بخّ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم».
وقد صحّح العلاّمة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٣٦ مقولة عمر بن الخطّاب.
وقال الغزالي في كتابه سرّ العالمين: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال عمر بن الخطّاب: بخّ بخّ يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وهذا تسليم ورضاً وتحكيم، ثُمّ بعد هذا غلب الهوى حبّاً للرئاسة، وعقد البنود، وخفقان الرايات، وازدحام الخيول في فتح الأمصار، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون» تذكرة الخواص: ٦١.
والاعتراض على الحديث من قبل أهل السنّة معروف ومشهور، إذ يقولون: إن الحديث يدلّ على النصرة لا على الموالاة التي تدعيها الشيعة، وهي بمعنى التصرّف في شؤون الأُمّة.
والجواب على ذلك: إنّ الحديث يدلّ على ما تذهب إليه الشيعة من أنّ المراد بالولاية هي الأولوية في شؤون التصرّف لا النصرة فقط، والدليل على ذلك:
[١]ـ إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قرن حديث الغدير بحديث الثقلين، وحديث الثقلين واضح الدلالة على وجوب التمسّك بالعترة، فقرن حديث الغدير به قرينة على لزوم التمسّك بسيّد العترة وأولها علي بن أبي طالب(عليه السلام).
[٢]ـ تأكيد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لأولويته على المؤمنين قبل الحكم بالولاية لعلي بن أبي طالب(عليه السلام)، إذ قال: «أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، وهذا يشكّل دليلاً على كون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أعطى الولاية لعلي بالمستوى الذي كانت عنده، وبنفس الدرجة.
[٣]ـ تقدّم في بعض الروايات أنّ الصحابي أبا الطفيل (عامر بن واثلة) عندما سمع شهادة الصحابي لعلي بالولاية استنكر الأمر في نفسه واستعظمه، فذهب واستفهم من زيد بن أرقم، وأخبره زيد بصحّة ما سمع!
وهذا الاستنكار ينسجم مع فهم الولاية بمعنى الأولويّة كما تقول به الشيعة، ولهذا استغرب الصحابي، ولا وجه له لو فسّرت الولاية بمعنى النصرة.
ففهم الصحابي أبي الطفيل للولاية بمعنى الأولويّة فلذلك استنكر الحديث واستفهم عنه!
[٤]ـ في بعض الأخبار المتقدّمة سلام الصحابة على أمير المؤمنين بقولهم: «السلام عليك يا مولانا»، وأجابهم أمير المؤمنين بشكل ملفت لانتباه الناس، وذكرّهم بأنّه الولي والخليفة فقال: «كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟»، أو «أولستم قوماً عرباً».
والمعنى هو: إنّكم قوم عرب أحرار ولستم عبيد فكيف أكون وليّاً عليكم، وسيّداً ومتوليّاً لأموركم؟
فقالوا: سمعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول يوم غدير خمّ.. وذكروا الحديث.
ولا معنى لأن يشهدهم أمير المؤمنين على أنّه ناصر المؤمنين طيلة هذه السنين من جهاده (عليه السلام) ومعرفته كلّ الناس أنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولم يشكّ أحدٌ في أن عليّاً ناصر المؤمنين، فمن سلامهم عليه، وجوابه لهم بتلك الطريقة الملفتة للنظر، ثُمّ اشهادهم على ذلك يظهر أنّ المراد من الولاية والمفهوم منها عند الصحابة هي الأولويّة في التصرّف بالنفس، وهي تعني الإمامة الإسلامية العامّة.