ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٣٥
والتاريخ خير شاهد على ما أقول إذ إنّ عمر بن الخطّاب الذي اشتهر بمحاسبة ولاته وعزلهم لمجرّد شبهة، نراه يلين مع معاوية بن أبي سفيان ولا يحاسبه أبدا، وقد ولاّه أبو بكر وأقرّه عمر طيلة حياته، ولم يعترض عليه حتّى بالعتاب واللّوم، رغم كثرة الساعين الذين يشتكون من معاوية ويقولون له : بأنّ معاوية يلبس الذهب والحرير اللذين حرّمهما رسول اللّه على الرجال، فكان عمر يجيبهم : « دعوه فإنّه كسرى العرب »[١].
واستمر معاوية في الولاية أكثر من عشرين عاما لم يتعرّض له أحد بالنقد ولا بالعزل، ولمّا ولي عثمان خلافة المسلمين أضاف إليه ولايات أُخرى مكّنته من الاستيلاء على الثروة الإسلامية، وتعبئة الجيوش وأوباش العرب للقيام بالثورة على إمام الأمّة، والاستيلاء على الحكم بالقوّة والغصب، والتحكّم في رقاب المسلمين، وإرغامهم بالقوّة والقهر على بيعة ابنه الفاسق شارب الخمر يزيد.
وهذه قصّة أُخرى طويلة لست بصدد تفصيلها في هذا الكتاب، والمهم هو أن
[١] راجع بألفاظه المختلفة: تاريخ دمشق لابن عساكر ٥٩: ١١٤، أُسد الغابة لابن الأثير ٤: ٣٨٦، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ١٣٥، الإصابة لابن حجر ٦: ١٢١، الاعلام للزركلي ٧: ٢٦٢، البداية والنهاية لابن كثير ٨ : ١٣٤، غريب الحديث لابن سلام ٤: ٢٩٣.
فكان عمر بن الخطّاب هو الذي وطّد الملك لمعاوية بن أبي سفيان، مع علمه بأنّه من الطلقاء، ولم يولّ بدرياً أو أنصارياً أو صحابياً له تاريخ مشرّف على منطقة مثل الشام، بل اختار معاوية، ولم يحاسبه في حياته على فعل من أفعاله، مع أنّه كان تصل إليه الأخبار بتصرّفات معاوية المخالفة للدين والعقل، لكن مع ذلك لم يحرّك ساكناً وأبقاه على مملكة الشام حتّى إذا جاء عثمان وسّعها له فضمّ إليه فلسطين ومن حولها، لتصبح بذلك مملكة مكتملة الأطراف والأوصاف والتي أدّت الى حرب صفين وإزهاق لأرواح آلاف من الصحابة الكرام.