ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٣٣
قال : قالت عائشة : صنع النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) شيئا فرخّص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، فخطب فحمد اللّه ثمّ قال : « ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فواللّه إنّي لأعلمهم باللّه، وأشدّهم له خشية »[١].
ومن أمعن النظر في مثل هذه الرواية، فسيجدهم ينزّلون أنفسهم فوق منزلته، ويعتقدون بأنّه يخطئ ويصيبون، بل إنّ هذا يستتبع تصحيح بعض المؤرّخين لأفعال الصحابة حتّى لو خالفت فعل النبي، أو إظهار بعض الصحابة بمنزلة من العلم والتقوى أكثر من رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)، كما حصل ذلك عندما حكموا بأنّ النبي أخطأ في قضية أسرى بدر، وأصاب عمر بن الخطّاب، ويروون في ذلك روايات مكذوبة بأنّه (صلي الله عليه و آله وسلم) قال : « لو أصابنا اللّه بمصيبة لم يكن ينج منها إلاّ ابن الخطّاب »[٢].
وكأنّ لسان حالهم يقول : لولا عمر لهلك النبي! والعياذ باللّه من هذا الاعتقاد الفاسد المشين الذي لا قبح بعده.
ولعمري إنّ الذي يعتقد هذا الاعتقاد هو بعيد عن الإسلام بعد المشرقين، ويجب عليه أن يراجع عقله، أو يطرد الشيطان من قلبه. قال اللّه تعالى : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾[٣] صدق اللّه العلي العظيم.
ولعمري إنّ الذين يعتقدون بأنّ رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) يميل به الهوى، ويحيد به عن
[١] وفيه أيضاً في: الأدب المفرد: ٩٨، كشف الخفاء ١:٢٠٠، تفسير البغوي ٣:٥٧٠، إمتاع الأسماع ٣:١٤٩.
[٢] تجد قريب منه في المصادر التالية: صحيح مسلم ٥: ١٥٧، الكامل في التاريخ ٢: ١٣٦، تاريخ الطبري ١: ١٦٩، فتح القدير للشوكاني ١: ٣٩٨، تفسير القرطبي ٨ : ٤٧، الدرّ المنثور للسيوطي ٣: ٢٠٣، المستصفى للغزالي: ٢٤٧.
[٣] سورة الجاثية: ٢٣.