ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٣٢٩
أجبروه أن يخرج (صلي الله عليه و آله وسلم) بتلك الحالة التي وصفها المؤرّخون، لا يقدر على المشي من شدّة المرض، وهو يتهادى بين رجلين، ثمّ يقسم باللّه بأنّ أُسامة خليق بالإمارة.
ويزيدنا الرسول بأنّهم هم أنفسهم الذين طعنوا في تأميره زيد بن حارثة من قبل، ليعلمنا أنّ هؤلاء لهم معه مواقف سابقة متعدّدة، وسوابق شاهدة على أنهم لم يكونوا من الذين لا يجدون في أنفسهم حرجا ممّا قضى ويسلّموا تسليما، بل كانوا من المعاندين المجادلين الذين جعلوا لأنفسهم حقّ النقد والمعارضة، حتّى ولو خالفوا بذلك أحكام اللّه ورسوله.
وممّا يدلّنا على المعارضة الصريحة، أنّهم رغم ما شاهدوه من غضب رسول اللّه، ومن عقد اللواء له بيده الشريفة، والأمر لهم بالإسراع والتعجيل، تثاقلوا وتباطأوا، ولم يذهبوا حتّى توفّي بأبي هو وأمّي، وفي قلبه حسرة على أمّته المنكوبة التي سوف تنقلب على أعقابها، وتهوى في النار، ولا ينجو منها إلاّ القليل الذي شبّهه رسول اللّه بهمل النّعم[١].
وإذا أردنا أن نتمعّن في هذه القضية، فإنّنا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها وأشهر أقطابها، إذ إنّه هو الذي جاء بعد وفاة رسول اللّه إلى الخليفة أبي بكر، وطلب منه أن يعزل أُسامة ويبدله بغيره، فقال له أبو بكر : ثكلتك أمّك يا بن الخطّاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاّه رسول اللّه[٢].
فأين هو عمر من هذه الحقيقة التي أدركها أبو بكر، أم أن في الأمر سرّا آخر خفي عن المؤرخين، أم أنّهم هم الذين أسرّوه حفاظا على كرامته، كما هي عادتهم،
[١] صحيح البخاري ٧: ٢٠٩، كتاب الرقاق، النهاية في غريب الحديث ٥: ٢٧٤، كنز العمال ١١: ١٣٣.
[٢] تاريخ الطبري ٣: ٢٢٦، كنز العمال ١٠: ٥٧٩ ح٣٠٢٦٨، تاريخ دمشق لابن عساكر ٢: ٥٠.