ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ٢٤٣
الشيعة والسنّة، وقد ذكرها المؤرّخون وأصحاب السير كالطبري، وابن الأثير، وابن سعد وغيرهم كالبخاري ومسلم.
وأنا لي هنا وقفة، فلا يمكن لي أن أقرأ مثل هذا ولا أتأثّر، ولا أعجب من تصرّف هؤلاء الصحابة اتّجاه نبيّهم، وهل يقبل عاقل قول القائلين بأنّ الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يمتثلون أوامر رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)وينفّذونها، فهذه الحادثة تكذّبهم وتقطع عليهم ما يرومون، هل يتصوّر عاقل بأنّ هذا التصرف في مواجهة النبيّ هو أمر هيّن أو مقبول أو معذور؟!
قال تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾[١].
فهل سلّم عمر بن الخطّاب هنا، ولم يجد في نفسه حرجا ممّا قضى الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)؟! أم كان في موقفه تردّد في ما أمر النبي وخصوصا في قوله : أولست نبي اللّه حقّا أولست كنت تحدثنا إلى آخره؟!
وهل سلّم بعدما أجابه رسول اللّه بتلك الأجوبة المقنعة؟
كلا لم يقتنع بجوابه وذهب يسأل أبا بكر نفس الأسئلة، وهل سلّم بعدما أجابه أبو بكر ونصحه أن يلزم غرز النبي؟ لا أدري إذا كان سلّم بذلك أو اقتنع بجواب النبي أو بجواب أبي بكر!! وإلاّ لماذا تراه يقول عن نفسه : « فعملت لذلك أعمالاً.. »[٢].
[١] سورة النساء: ٦٥.
[٢] ورد في صحيح ابن حبّان ١١: ٢٢٤ «قال عمر بن الخطّاب: فعملت في ذلك أعمالاً، يعني في نقض الصحيفة»، وقال ابن حجر في فتح الباري ٥: ٢٥٥ «قال بعض الشرّاح: قوله: أعمالاً، أي من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب، ولم يكن ذلك شكّا من عمر بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثّا على إذلال الكفّار...».
أقول: إنّ عمر اعترف بنفسه بالشك حيث قال: «ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذٍ» انظر المصنّف لعبد الرزاق ٥: ٣٣٩، صحيح ابن حبّان ١١: ٢٢٤، المعجم الكبير للطبراني ٢٠: ١٤، تفسير الطبري ٢٦: ١٢٩، الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٧، تفسير الثعلبي ٩:٦٠، ولا ريب أنّ هذه الجملة دالّة على أنّ عمر كان شاكّاً في دينه، ولا شكّ أن الشكّ في الدين كفر، والتعصّب الأعمى لتقديس عمر بن الخطّاب وغيره الكثير من الشخصيات المصطنعة ادّى بابن حجر العسقلاني مع تعلات عمر هذه واعترافاته وشكوكه إلى جعله الأعلم بشؤون الدين ومصالحه من رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)؟!!
وذكر الآلوسي في تفسيره ١٣: ٢٧٣ «فلمّا تأخر ذلك (أي تأخّر تعبير الرؤيا التي رآها النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) في دخول مكة) قال على طريق الاعتراض عبد اللّه بن أُبي، وعبد اللّه بن نفيل ورفاعة بن الحرث: واللّه ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام. وقد روي عن عمرقال نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه»!
ولا ندري لماذا تأثر عمر بالمنافقين وأخذ يردّد كلامهم، ونحن نأخذ برواية الآلوسي ونترك درايته.
وفي الأزمنة الأخيرة ظهرت نابتة تدّعي لنفسها العلم، وتطلق الكلمات بدون تثبت، حتّى تجرّأت وأخذت تطعن في أهل البيت عليهمالسلام، فلما راوا صنائع الخليفة عمر بن الخطّاب المزرية في صلح الحديبية، وكيفية اعتراضه على الرسول الاكرم (صلي الله عليه و آله وسلم)، ومكالمته بشدّة وغلظة، وعدم اقتناعه بما قاله (صلي الله عليه و آله وسلم)، واقراره بأنّه فعل أفعالاً وأعمالاً يعلمها اللّه سبحانه وتعالى، وفوق ذلك كُلّه إقراره بأنّه ما شك في الإسلام إلاّ ذلك اليوم الذي صالح فيه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مع مشركي قريش، فلمّا رأى أنصار عمر بن الخطّاب ومحبيه هذه الأفعال الشنيعة والأعمال الغريبة التي تستوقف القارىء للتأمّل حتّى أخذوا بالطعن بعميد أهل البيت عليهمالسلاموهو الإمام علي عليه السلامفقالوا: علي بن أبي طالب لم يمتثل أمر رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) عندما أمره بمحو اسمه من كتاب الصلح؟ فإذن لم يخالف النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) عمر فقط وإنّما علي بن أبي طالب خالف النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وعصى أمره؟!
وفي الجواب نكتفي بنقل كلام الإمام الشوكاني والنووي فإنّهما قد أجادا في دفع هذا الوهم:
قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٢٢٩: «قال الآسنوي: قد اشتهر زيادة سيّدنا قبل محمّد عند أكثر المصلّين، وفي كون ذلك أفضل نظر.
وقد روي عن ابن عبد السّلام أنّه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبني على أنّ سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال، ويؤيّده حديث أبي بكر حين أمره (صلي الله عليه و آله وسلم)أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدّم بين يدي رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)، وكذلك امتناع علي عن محو اسم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك وقال: لا أمحو اسمك ابداً.. فتقريره (صلي الله عليه و آله وسلم) لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدّباً مشعر بأولويته»، وأيضاً نقله العظيم آبادي في عون المعبود ٣: ١٩١.
وقال النووي في شرح مسلم ١٢:١٢٦: «قوله: (فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لعلي: إمحه! فقال: ما أنا بالذي أمحاه)، هكذا هو في جميع النسخ بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه. وهذا الذي فعله علي رضىاللهعنه من باب الأدب المستحب لأنّه لم يفهم من النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)تحتيم محو علي بنفسه ولهذا لم ينكر..».
ويقرّب من هذا الكلام ما ذكره ـ أيضاً ـ الجصاص في كتاب الفصول في الأُصول ٤: ٤٩٠، والصالحي الشامي في كتاب سبل الهدى والرشاد ٥: ٧٧.
وقال ابن حجر في فتح الباري ٧: ٥٠٣: «ثُمّ قال لعلي: إمح رسول اللّه، أي إمح هذه الكلمة المكتوبة من الكتاب.
فقال: لا واللّه لا أمحوا أبداً.
وللنسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي قال: كنت كاتب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)يوم الحديبية، فكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه، فقال سهيل: لو علمنا أنّه رسول اللّه ما قاتلناه امحها، فقلت: هو واللّه رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)وإن رغم أنفك، لا واللّه لا أمحوها، وكأن علّياً فهم أن أمره له بذلك ليس متحتماً فلذلك امتنع من امتثاله، ووقع في رواية يوسف بعد فقال لعلي: إمح رسول اللّه؟ فقال: لا واللّه لا أمحاه أبداً. قال: فأرنيه، فأراه إيّاه فمحاه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)بيده، ونحوه في رواية زكريا عند مسلم وفي حديث علي عند النسائي وزاد وقال: أما أنّ لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر، فبشّر (صلي الله عليه و آله وسلم) إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك».
هذا ما ذكره علماء السنة في دفع هذا الإيهام الذي أورده في حقّ سيّد العترة الطاهرة علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومنه تعرف أنّ هذا يختلف تمام الاختلاف عمّا صدر من عمر بن الخطّاب من أفعال وتصرّفات شنيعة يندى لها الجبين، فعلي بن أبي طالب عليه السلام توقّف عن محو اسم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) من الصحيفة تأدّباً وإجلالاً وإكراماً له (صلي الله عليه و آله وسلم)، بينما عمر بن الخطّاب اعترض على كتاب الصلح، ولم يقنع بجواب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) فكلّم أبا بكر، وقد شكّ في النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)وأمر الدين، وذكر بأنّه فعل أفعالاً اللّه أعلم بها.. إلى غير ذلك.
فأين فعل عمر بن الخطّاب المخالف للآداب والقيم الإسلامية من فعل علي ابن أبي طالب عليه السلام الموافق للأخلاق والموازين الأدبيّة، مالكم كيف تحكمون!!
بل إنّ الملاحظ بجدّ أنّ عمر بن الخطّاب قد شكّ في أمر النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلم)ولم يفكّر بأيّ شيء يخطر على باله بأنّ هنالك مصلحة أو غير ذلك أدّت إلى إبرام عقد الصلح، بينما علي بن أبي طالب كان ثابت الإيمان لم يتغير ولم يتبدّل وازداد قوّة، فلذلك رفض إمحاء اسم رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) ؛ لأن يده لا تطيق مسح اسم النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلم).