ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) - التيجاني السماوي، محمد - الصفحة ١٧٨
إنه عالم جديد بالنسبة إلي اكتشفته أو كشفه اللّه لي، وقد أنست به بعد ما كنتأنفر منه، وانسجمت معه بعد ما كنت أعاديه، وقد أفادني هذا العالم أفكارا جديدة،وبعث فيّ حُبَّ الاطلاع والبحث والدراسة، حتّى أدرك الحقيقة المنشودة التي طالماراودتني عندما قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) : « افترقت بنوإسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة،وستفترق أمّتي إلى ثلاثةٍ وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة »[١].
[١] حديث الفرقة الناجية ورد بأسانيد وألفاظ مختلفة، انظر: سنن الترمذي ٥: ٢٦
ح٢٦٤١ كتاب الإيمان، سنن ابن ماجة ٢: ١٣٢٢، سنن أبي داود ٤: ١٩٨ كتاب السنّة، مسند أحمد ٣: ١٢٠، المستدرك للحاكم ١: ١٢٨، المصنّف لابن أبي شيبة ٨: ٧٣١، كتاب السنّة لابن أبي عاصم: ٣٤، الدرّ المنثور ٢: ٦١، ٢٧٥، ٣: ١٣٦، ١٤٩، الخصال للصدوق ٢: ٥٨٤ أبواب السبعين وما فوق، البحار ٢٨: ٣٦٠٢.
والأحاديث كثيرة عن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) حول الفرقة الناجية من يطلّع عليها يطمئن بصدور هذا الخبر عن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وفيه بيان لابدّية افتراق الأُمّة واختلافها هذا الاختلاف الواسع جداً كما اختلفت الأممّ التي قبل هذه الأُمّة، وبيان أنّ هذا الافتراق والاختلاف مذموم متوعّد عليه بالنار إلاّ فرقة واحدة هي الفرقة الناجية.
وقد وقع الخلاف بين المسلمين في تحديد الفرقة الناجية، تبعاً لاختلافهم في المذاهب والعقائد، وكُلّ منهم يدعي أنّه الفرقة الناجية، وغيره من فرق المسلمين باطل وهالك وداخل في الفرق المتوعّد دخولها في النار.
ويعتقد أهل السنة أنّ أهل الحديث هم الفرقة الناجية، قال رضا معطي: «إنّها العقيدة السلفية تبرك المسلم بالسلف العظيم فتزيده عزّة وافتخاراً كيف لا؟ وهي تجعله يسير على خطى الصحابة ومن جاء بعدهم من السلف الذين هم سادة الأُولياء وأئمّة الأتقياء، وما كانوا عليه هو الدين الذي لا جدال فيه.
كُلّ ذلك يزيد المسلم بصيرة في دينه، فهو متأكّد أنّه يسير في ظلال الفرقة الناجية التي وصفها النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) في حديث «افتراق الأُمّة»
ولا يستطيع أحد أن ينفي هذا الوصف عن سلف هذه الأُمّة...
ولا شكّ أنّ من كان على طريقتهم ممّن جاء بعدهم هم أهل الحقّ وهم الفرقة الناجية وهذا ما قرّره المحققون من أهل العلم» علاقة الإثبات والتفويض بصفات الربِّ : ١٩ ـ ٢٠.
وقال مرجع السلفيّة الشيخ محمّد جميل زينو: «الفرقة الناجية: يحيون سنن الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) في عباداتهم وسلوكهم وحياتهم، فأصبحوا غرباء بين قومهم، كما أخبر عنهم رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) بقوله: «إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» مجموع رسائل التوجيهات الإسلامية منهاج الفرقة الناجية: ١٥٨ ـ ١٦٢.
وقال الشيخ مقبل الوادعي بعد ذكره لحديث الافتراق: «فهذان الحديثان وما في معناهما من الأحاديث تدلّ على أنّه لا ينجو إلاّ فرقة من ثلاثة وسبعين فرقة، والفرق الأُخرى في النار تحتّم على المسلم أن يبحث عن هذه الفرقة الناجية حتّى ينتظم في سلكها ويأخذ دينه عنها.
وممّا يجب التنّبه عليه أن كُلّ فرقة تدّعي أنّها الفرقة الناجية، وقد جاء الكتاب والسنّة ببيان الفرقة الناجية...
إلى أن يقول: فمن توفّرت فيه هذه الصفات في سورة العصر والمؤمنون والحديد فهو من الفرقة الناجيّة، سواء كان حجازيّاً أم يمنياً أم شاميّاً أم من أي بلدةٍ كان.
وأقرب الناس ممّن تنطبق عليه هذه الصفات هم أهل الحديث، وقد قال غير واحدٍ من أهل العلم: إنّ المراد ممّا أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معاوية والمغيرة بن شعبة عن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) «لا تزال طائفة من هذه الأُمّة قائمة على أمر اللّه لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر اللّه» قال غير واحد من أهل العلم أنّ المراد بهم أهل الحديث؛ لأنّهم لا يتعصّبون لأيّ مذهب، وإنّما يتعصّبون للحق» رياض الجنّة في الرد على أعداء السنة: ٨ ـ ٩.
وقال ابن تيميّة في جوابه عن الفرقة الناجية: «... وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أنّ أحقّ الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين واتّبعهم لذلك، فالعالمون باقوالهم وأفعالهم، المتّبعون لها، هم أهل السعادة في كُلّ زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كُلّ ملّة، وهم أهل السنّة والحديث من هذه الأُمّة، فإنّهم يشاركون سائر الأُمّة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوه من العلم الموروث عن الرسول ممّا يجهله غيرهم او يكذّب به».
وقال ـ أيضاً ـ: «ومن المعلوم أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه، فلهم من فضل اللّه وتخصيصه إيّاهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم، كما قال بعض السلف: أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل..!!
والمقصود التنبيه على أنّ كُلّ من زعم بلسان حاله أو مقاله أنّ طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبيّة في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان باللّه واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة والعلوم والأخلاق التي تزكوا بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث، فهو وإن كان من المؤمنين بالرسل فهو جاهل، فيه شعبة قوية من النفاق، وإلاّ فهو منافق خالص من الذين «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ»..» مجموعة الفتاوى الكبرى ٤: ١٤٠.
وقال الشيخ حافظ حكمي علاّمة السلفيّة في كتابه معارج القبول ١: ٣٦ تحت عنوان الفرقة الناجية قال: «وقد أخبر الصادق المصدّق (صلي الله عليه و آله وسلم) أنّ الفرقة الناجية هّم من كان على مثل ما كان عليه أصحابه، وليس أحدٌ من هؤلاء كذلك، بل إنّهم «ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ»، وذلك لأنّه لا يعرف ما كان عليه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وأصحابه إلاّ من طريق سنّته المرويّة وآثاره المصطفوية التي هي الشريعة الغرّاء والمحجّة البيضاء، وهؤلاء من أبعد الناس عنها وأنفرهم منها، وإنّما تصلح هذه الصفة لحملتها وحفاظها والمنقادين لها... أعني بذلك أئمّة الحديث وجهابذة السنّة وجيش دولتها، المرابطين على ثغورها الحافظين حدودها الحامين حوزتها... فآمنوا بما أخبر اللّه به في كتابه وأخبر به عبده ورسوله محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم) في سنّته، وتلقّوه بالقبول والتسليم إثباتاً بلا تكيف ولا تمثيل، وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل، فهم الوسط في فرق هذه الأُمّة، كما أنّ هذه الأُمّة هي الوسط في الأُمم... فهم واللّه (أهل السنّة والجماعة) وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة الذين لم تزل قلوبهم على الحقّ متّفقة مؤتلفة..».
وقال الإسماعيلي في اعتقاد أئمّة الحديث ١: ٧٩ «وجوب لزوم مذهب أهل الحديث الفرقة الناجية: هذا أصل الدين والمذهب اعتقاد أئمّة أهل الحديث الذين لم تشنّعهم بدعة، ولم تلبسهم فتنة، ولم يخفوا إلى مكروه في دين، فتمسّكوا معتصمين بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا عنه، واعلموا أنّ اللّه تعالى أوجب محبته ومغفرته لمتّبعي رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم) في كتابه وجعلهم الفرقة الناجّية والجماعة المتّبعة..».
فتلحظ ابن تيميه يجعل أهل الحديث من غيرهم كأهل الإسلام في الملل الأُخرى، فهم ملّة وبقيّة الناس ملّة أُخرى؟!
وهذا من مجازفات الخط المنحرف الذي يؤدّي بصاحبه إلى سلوك الهاوية ورمي الأُمّة الإسلامية بالخروج عن الدين والعيش في جهالات الكفر والضلال، ويحصر الإسلام على فئة خاصّه معينه يسميها بـ (أهل الحديث).
وفي قوله الثاني ما فيه من الكيل الثقيل والتهجّم الكبير حيث جعل غير أهل الحديث من المنافقين الذين يستحقون الدرك الأسفل من النار، لأجل عدم عملهم بعلم الحديث ومدارسته!!
وسيوافيك في الصفات اللاحقة كلمات علماء الحديث في حق أنفسهم، وفي العلم الذي يدرسونه وأي قيمة له في نفوسهم.
ويتابع الشيخ الحرّاني كلامه فيقول: «وبهذا يتبيّن أنّ أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصّبون له إلاّ رسول اللّه (صلي الله عليه و آله وسلم)» المصدر السابق ٣: ٣٤٦
ومن شاء المزيد عليه مراجعة كتاب (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة) لمؤلفه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، حيث نقل أقوال العلماء هناك وبيّن ما فيه كفاية لمن يريد.
قد لاحظنا في الكلمات السابقة أنّهم يعدّون أهل الحديث (الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، الغرباء)؛ لأنّهم يتّبعون آثار الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) ويتّبعون أقواله وأفعاله ويدوّنوها ويبيّنوها للناس، ويقتفون آثار السلف الصالح والعلماء السابقين، ويسيرون على نهجهم ويقفون أثرهم، ويطلبون الحقّ في مظانّه، حتّى لو كلفهم أغلى شيء عندهم، فهم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، أو اعتراض معترض أو نبز نابز... بل هدفهم الحقّ دائماً يتّبعونه أينما كان وينشدونه أينما حلّ... هؤلاء هم أهل الحديث، وهذه صفاتهم وميّزاتهم، وعلى ذلك ينطبق عليهم وصف الغرباء، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
هذا ما يذكرونه في وصفهم ومدحهم لعلماء الحديث.
وهذا ما يجعلونه الشعار المنطبق عليهم...
ولكن هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يصحّ ما ذكروه من الصفات لأصحاب الحديث؟
عندما نرجع إلى كلمات المحدّثين أنفسهم نجدهم يطعن بعضهم في بعض، ويجانبون الصواب، ويميلون عن الحقّ، ويتّبعون رغباتهم وأهواءهم، ولا يزنون بالقسطاس المستقيم واليك كلمات علماء الحديث انفسهم:
[١]ـ قال الإمام الذهبي واصفاً أهل الحديث ـ وهو أحدهم ـ: «أما المحدّثون فغالبهم لا يفهمون، ولا هّمة لهم في معرفة الحديث، ولا في التديّن به، معذور سفيان الثوري فيما يقول: لو كان الحديث خيراً لذهب كما ذهب الخير! صدق واللّه، وأي خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه، أنت لا تنقله ولا تبحث عن ناقلية، ولا تدين اللّه تعالى به.
إنّما همّتهم السماع على جهلة الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا يتأدّبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون من سكرة السماع، الآن يسمع الجزء ونفسه تحدّثه متى يرويه؟ أبعد الخمسين سنة؟! ويحك ما أطول أملك، وأسوأ عملك.
أما اليوم في زماننا فما يفيد المحدّث الطلب والسماع، مقصود الحديث من التديّن به، بل فائدة السماع ليروي، فهذا واللّه لغير اللّه.
خطابي معك يا محدّث، لا مع من يسمع ولا يعقل ولا يحافظ على الصلوات، ولا يجتنب الفواحش ولا قرش الحشائش، ولا يحسن أن يصدّق فيها، فيا هذا لا تكن محروماً مثلي، فإنّا نحن أبغض المناحيس.
ثمّ قال: «باللّه خلونا فقد بقينا ضحكة لأولي المعقولات، ينظرون بنا هؤلاء هم أهل الحديث... لكنك معذور، فما شممت للإسلام رائحة، ولا رأيت أهل الحديث».
وبعد ان عرض سير الرواية في العصور الأُولى قال: «ثُمّ تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثه، ولم يزل ينقص إلى اليوم، فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدّثين على قلّتهم نظير صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم، وكم من رجل مشهور بالفقه وبالرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلّمي القدماء أعرف بالأثر من مشيخة زماننا» بيان زغل العلم والطلب عن أهل الحديث ٦ ـ ١٢.
[٢]ـ قال ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث ٧٨: «فهل أصحاب الحديث في سقطهم إلاّ كصنف من الناس؟
على أنا لا نخلّي أكثرهم من العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقّه بما جمعوا، وتهافتهم في طلب الحديث من عشرة أوجه أو عشرين وجهاً!
وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع لمن أراد اللّه عزّ وجلّ بعلمه، حتّى تنقضي أعمارهم، ولم يحلّوا من ذلك إلاّ بأسفار اتعبت الطالب، ولم تنفع الوارث.
فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيّع لحظّه مقبل على ما كان غيره أنفع له منه.
وقد لقّبوهم بالحشوية، والنابتة، والمجبّرة، وربما قالوا الجبريّة وسمّوهم: الغثاء والغثر».
[٣]ـ وقد عقد الإمام ابن عبد البرّ فصلاً كاملاً حول هذا الموضوع، وذكر فيها كلاماً كثيراً حول المحدّثين وصفاتهم وما قالوه حول علم الحديث نقتصر على ذكر بعضٍ منه :«... وعن شعيب بن حرب قال: كنّا عند سفيان يوماً نتذاكر الحديث فقال: لو كان في الحديث خير لنقص كما ينقص الخير، ولكنّه شرّ فأراه يزيد كما يزيد الشرّ.
وكان زكريا بن القطان يقول: رأيت سفيان بن عيينة وقد ألجأه أصحاب الحديث إلى الميل الأخضر، فالتفت إليهم فقال: ما أرى الذي تطلبونه من الخير، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير.
وقد أخذه بكر بن حمّاد فقال:
| لقد جفتّ الأقلام بالخلق كلّهم | فمنهم شقي خائب و سعيد |