أسباب النزول في ضوء روايات أهل البيت (ع) - الرفيعي، مجيب جواد جعفر - الصفحة ٤٠
النار".
ثم لم يزل (صلى الله عليه وآله) يقول ويشير اليه حتى أمعن من بين يديه فذهب، فأتى المدينة فتزود منها، ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها، ولبس مِسحاً، وغلّ يديه جميعاً الى عنقه، ونادى: يا رب هذا عبدك بُهلول، بين يديك مغلول، يا رب أنت الذي تعرفني، وزلّ مني ما تعلم يا سيدي، يا رب، إني أصبحت من النادمين، وأتيت نبيك تائباً فطردني وزادني خوفا، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تُخيب رجائي، سيدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك.
فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة، تبكي له السباع والوحوش، فلما تمّ له أربعون يوما وليلة رفع يديه الى السماء، وقال: اللّهم ما فعلت في حاجتي؟
إن كنت استجبت دعائي، وغفرت خطيئتي، فأوح الى نبيك، وإن لم تستجب دعائي، ولم تغفر لي خطيئتي، وأردت عقوبتي، فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني، وخلصني من فضيحة يوم القيامة.
فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله): (والذين اذا فعلوا فاحشة) يعني الزنا (أو ظلموا أنفسهم) يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا، ونبش القبور، وأخذ الأكفان (ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم) يقول: خافوا اللّه فعجلوا التوبة (ومن يغفر الذنوب إلا اللّه) يقول اللّه عزّوجل: أتاك عبدي ـ يا محمد ـ تائبا فطردته، فأين يذهب، وإلى من يقصد، ومن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري؟
ثم قال عزّوجل: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) يقول: لم يقيموا على الزنا، ونبش القبور، وأخذ الأكفان (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين).
فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) خرج وهو يتلوها ويتبسّم.
فقال لأصحابه: "من يدلني على ذلك الشاب"؟
فقال معاذ: يا رسول اللّه، بلغنا أنه في موضع كذا وكذا.